بين الحنين والانتظار تولد أجمل المشاعر، وهذه القصيدة تحكي قصة قلبٍ ظلَّ متمسكًا بالأمل رغم طول الغياب، مؤمنًا أن اللقاء الحقيقي قادرٌ على إذابة كل المسافات وإعادة الدفء للأرواح من جديد.
في آخرِ المساءِ
حينُ تهدأُ الطرقاتُ وتغفو الضوضاءُ فوقَ الأرصفة،
أبحثُ عنك بينَ الوجوهِ العابرة،
كأنَّ قلبي تعلَّمَ أن يرى ملامحَك
في كلِّ نافذةٍ مضيئة، وفي كلِّ أغنيةٍ بعيدة
تسافرُ مع الريحِ نحوَ المدنِ المنسية.
كنتُ أظنُّ أنَّ الغيابَ ينسينا، لكنَّ بعضَ الأرواحِ
تُولدُ لتسكنَ الذاكرةَ إلى الأبد،
فتصبحُ الأيامُ بعدها
مجردَ محاولاتٍ فاشلةٍ للنسيان.
لهذا…
سأبقى في الذاكرةِ
تلكَ التي مرَّتْ بخفَّةِ الحلم، وتركتْ على جدارِ العمرِ
أثرَ ضحكةٍ لا يذبلُ صداها.
سأظلُّ أفتحُ نوافذَ الليلِ
لأراكَ عابرًا في خيالي، وأخفي بينَ نبضي
حكاياتٍ لا يعرفُها أحد.
أتعلمُ؟
ما زلتُ كلَّ مساءٍ
أراقبُ من بعيدٍ كلَّ خطوةٍ عابرة،
وأتوهمُ أحيانًا
أنَّ القادمَ عندَ آخرِ الطريقِ يشبهُك قليلًا.
فأرتبكُ كطفلةٍ صغيرة، وأسرقُ من الوقتِ ثانيةً
لأعيشَ وهمَ اللقاء.
وفي الليالي الباردة،
حينَ تتكاثرُ الغيومُ فوقَ قلبي،
أجلسُ قربَ نافذتي الطويلة، وأعدُّ النجومَ بصمتٍ حزين،
كأنني أكتبُ أسماءَ الأمنياتِ
على صفحةِ السماءِ.
كلُّ نجمةٍ كانتْ رسالة، وكلُّ دعوةٍ صغيرة
كانتْ تحملُ اسمَك دونَ أن تدري.
لم يكنِ الحنينُ سهلًا أبدًا،
إنَّهُ يشبهُ بحرًا
يبتلعُ السفنَ ببطء، ويتركُ الناجينَ
معلَّقينَ بينَ الأملِ والتعب.
وأنا منذُ رحيلِك
أتعلمُ كيفَ أقاومُ الغرقَ بابتسامةٍ خافتة،
وكلماتٍ لا يسمعُها أحد.
أحيانًا
أشعرُ أنَّ المسافاتِ
ليستْ بينَ المدنِ فقط، بل بينَ قلبينِ
كانا قريبينِ جدًا
ثم فرَّقتهما الحياةُ كما تُفرِّقُ الريحُ
أوراقَ الخريف.
ورغمَ ذلك، ما زلتُ أنتظرُ.
أنتظرُ أن تشرقَ في قلبي
شمسُك الدافئةُ ذاتَ صباح، فتعيدُ للروحِ دفأها القديم،
وتوقظُ في عينيَّ
ذلكَ البريقَ الذي اختفى
منذُ أن غبتَ طويلًا.
أحتاجُ فقط إلى كلمةٍ منك،
إلى صوتٍ يطمئنُ هذا التعبَ الكبير،
إلى يدٍ تربتُ على قلبي
وتقولُ لهُ:
إنَّ كلَّ هذا الحزنِ لم يكنْ عبثًا.
لقد أتعبني البردُ كثيرًا،
بردُ الغياب،
وبردُ الانتظار،
وبردُ الليالي
التي تمرُّ ثقيلةً كأنَّ الزمنَ فيها
يسيرُ على عكازين.
لكنني ما زلتُ أؤمنُ
أنَّ الأرواحَ التي خُلقتْ لتلتقي
لا تُضيِّعها الطرقاتُ بسهولة،
وأنَّ الدعواتِ الصادقة تعرفُ دائمًا
كيفَ تصل.
لهذا
أجمعُ ما تبقَّى من الحلم،
وأخبئهُ في صدري
كطفلٍ يخافُ على لعبتهِ الأخيرة،
وأقاومُ كلَّ شيءٍ
كي لا تنطفئَ صورتُك
في داخلي.
سيأتي يومٌ
تذوبُ فيهِ كلُّ المسافات،
وتسقطُ الجدرانُ التي بنتها الأيام،
ويعودُ القلبُ
خفيفًا كما كان.
يومها
لن يكونَ للحنينِ هذا الوجعُ الطويل،
ولن أبقى أفتشُ عنك
بينَ الوجوهِ والطرقات.
يومها فقط
سأعرفُ أنَّ الانتظارَ
لم يكنْ خاسرًا،
وأنَّ الصبرَ الذي زرعتهُ في قلبي
أثمرَ أخيرًا.
أما الآن،
فسأبقى كما أنا…
أكتبُك في القصائد،
وأخبئُ اسمَك بينَ السطور،
وأحرسُ ما تبقَّى من الضوء
في آخرِ هذا القلب.
وسأبقى في الذاكرة،
صاحبةَ العيونِ الساحرة،
التي أحبَّتْ بصمت، وصبرتْ كثيرًا،
وكانَ كلُّ ما تتمناه
أن يذيبَ اللقاءُ القادم
صقيعَ المسافات، ويكتبَ للحنينِ
نهايةً حالمة
تشبهُ الأمنياتِ التي لا تموت.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.