حين يصبح شخصٌ واحد مختلفًا عن الجميع، تتحول المشاعر إلى قصيدةٍ طويلة لا تنتهي. هذه الكلمات تحكي عن روحٍ نادرة، وعن حبٍّ يشبه الضوء حين يولد في آخر العتمة، ويترك في القلب أثرًا لا يُنسى.
لأن الأشياء النادرة لا تعود مرتين
في المساءاتِ التي تتشابهُ فيها الوجوه،
وتعبرُ الأرصفةُ مزدحمةً بخطواتٍ لا تتركُ أثرًا،
كنتُ أبحثُ عن شيءٍ يشبهُ النجاة،
عن روحٍ لا تمرُّ كالعابرين،
ولا تذوبُ في ضجيج الأيامِ سريعًا.
كان العالمُ واسعًا بما يكفي للتيه،
وضيقًا بما يكفي لأن يخذل القلبَ كلَّ مرة،
لكنني، وسط هذا الزحام الطويل،
كنتُ أؤمنُ أن الأشياءَ النادرة
لا تُخلقُ عبثًا، وأن بعضَ الأرواح
تأتي لتعيد ترتيب الفوضى
دون أن تشعر.
ولأنني أحبُّ الأشياءَ النادرة…
اخترتك، لا لأنك الأقربُ فقط،
ولا لأنك الأحنُّ بين الجميع،
بل لأنك ذلك الاختلاف
الذي لا يشبهُ أحدًا، الهدوءُ الذي لا يُفسَّر،
والطمأنينةُ التي تأتي دون موعدٍ مسبق.
كنتَ تشبهُ فكرةً قديمة
كان قلبي يؤمنُ بها سرًا، أن هناك شخصًا
حين يصل، تتبدلُ هيئةُ العالم،
وتصبحُ الطرقاتُ أقلَّ قسوة،
وتغدو الأيامُ أخفَّ على الروح.
أحببتُ فيك
تفاصيلك الصغيرة التي لا ينتبهُ لها أحد،
طريقتكَ في الإصغاء،
ذلك الصمتُ الذي يحملُ معنى،
ونبرةُ صوتك
حين تحاولُ إخفاءَ تعبك
خوفًا على الآخرين.
أحببتُ ارتباكَك العفوي، وضَحكتكَ التي تأتي
كنافذةٍ تُفتحُ فجأة
في بيتٍ قديم، أحببتُ حضورك
الذي لا يحتاجُ إلى ضجيج
ليُثبتَ أنه مختلف.
ولأنك لم تكن نسخةً مكررة
من أحد، تعلقتُ بك أكثر،
فالروحُ لا تُغرمُ بما اعتادت رؤيته،
بل تنحازُ دائمًا إلى الدهشة الأولى،
إلى ذلك الشعور
الذي يجعل القلب
ينظرُ للحياةِ بطريقةٍ جديدة.
اخترتك…
كما يختارُ الضوءُ
آخرَ نافذةٍ في العتمة، وكما تختارُ النجمةُ
سماءً تستحقُّ اللمعان.
اخترتك
لأنك لم تكن محاولةً لإبهاري،
بل كنتَ الحقيقة
التي لا تحتاجُ إلى زينة، وكنتَ الشيءَ الوحيد
الذي بدا صادقًا
في زمنٍ مزدحمٍ بالتصنع.
حين كنتُ أتحدثُ معك،
كنتُ أشعرُ أن الكلمات تستريحُ أخيرًا،
كأنها وجدت مكانها الطبيعي
بعد سنواتٍ من الضياع.
وكنتُ كلما اقتربتَ،
أدركتُ أن بعض البشر
لا يدخلون حياتنا صدفة، بل يأتون
ليتركوا أثرًا لا يختفي،
مثل أغنيةٍ قديمة
نحفظها دون قصد، أو رائحةِ مطرٍ
تعيدُ إلينا طفولةً بعيدة.
كنتَ استثناءً واضحًا،
والاستثناءاتُ دائمًا
يصعبُ نسيانها.
في حضورك
كان قلبي يتخلى
عن حذره القديم، ويفتحُ أبوابهُ بطمأنينة،
كأنَّه يعرفك
منذ زمنٍ طويل،
منذ حياةٍ أخرى ربما، أو منذ دعوةٍ قديمة
صعدت إلى السماء
ثم عادت إليَّ على هيئةِ إنسان.
ولأن الأشياءَ الجميلة
لا تتكرر كثيرًا،
خفتُ عليكَ من العالم،
من العيونِ التي لا تفهمُ النقاء،
ومن الطرقِ التي تُتعبُ القلوبَ الصادقة.
كنتُ أراك
أكبر من مجردِ حكاية،
وأعمق من كلمةِ "حب"
التي استهلكها الجميعُ حتى فقدت معناها،
كنتَ وطنًا صغيرًا
يختبئُ داخله السلام.
وحين كانت الليالي
تثقلُ فوق صدري، كنتُ أتذكرك
فأشعرُ أن النجاةَ ممكنة،
وأن الأرواحَ الجميلة ما زالت موجودة
رغم كل هذا الخراب.
أتعلم؟
بعضُ الأشخاص
نلتقيهم مرةً واحدة، لكنهم يغيّرون
شكلَ العمرِ كاملًا،
وأنتَ كنتَ من هؤلاء، أولئك الذين يتركون
في القلبِ أثرًا دائمًا
لا تمحوهُ السنوات.
ولأنني أحبُّ الأشياءَ النادرة،
كنتُ أخافُ فقدانك، فالقلوبُ تعرفُ جيدًا
أن ما لا يتكرر
يصعبُ تعويضه.
كنتُ أراك
كما يرى المسافرُ البعيد
أولَ مدينةِ أمان، وكما يرى الغريقُ
يدًا تمتدُّ نحوه
في اللحظةِ الأخيرة.
ولم تكن دهشتي بك
عابرة، بل كانت دهشةً
تزدادُ كلما اكتشفتُ فيك
تفصيلًا جديدًا، فكلُّ شيءٍ فيك
كان يحملُ طابعًا مختلفًا،
حتى صمتُك
كان يبدو أكثر دفئًا
من أحاديثِ الآخرين.
أحيانًا،
كنتُ أتأملك بصمت،
وأفكرُ كيف يستطيعُ شخصٌ واحد
أن يُعيدَ ترتيبَ الفوضى
داخل إنسانٍ كامل.
كيف يمكنُ لابتسامةٍ صغيرة
أن تُصلحَ يومًا متعبًا،
ولكلمةٍ واحدة
أن تُطفئَ هذا الضجيج
كلَّه.
كنتَ شيئًا يشبهُ المعجزة،
والمعجزاتُ لا تحدثُ كثيرًا،
لهذا تمسكتُ بك كما يتمسكُ القلبُ
بآخرِ أحلامه الجميلة.
اخترتك…
لا لأنني كنتُ أبحثُ عن حب،
بل لأنني وجدتُ معك
ذلك الشعور
الذي يجعلُ الروحَ أكثرَ حياة.
وجدتُ معك
المعنى الذي ظللتُ أبحثُ عنه
في الوجوهِ الكثيرة،
وفي الطرقاتِ الطويلة،
وفي الحكاياتِ التي لم تكتمل.
ولأنك لا تشبهُ أحدًا،
بقيتَ مختلفًا
حتى في غيابك، فبعضُ الأشخاص
حين يرحلون
تعودُ الحياةُ كما كانت، لكن البعض الآخر
يأخذُ معه
جزءًا من الضوء.
وأنتَ…
كنتَ الضوء
الذي لا يُنسى.
لهذا أحببتك
بهذه الطريقةِ العميقة،
ولهذا اخترتك
دون تردد، كما يحتفي القلبُ
بشيءٍ لا يأتي مرتين، وكما تتمسكُ الروحُ
بأندرِ ما صادفتهُ
في رحلةِ العمر.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.