حين يقف القلب حائرًا بين ضوء القمر وملامح من نحب، تولد القصائد. هذه الكلمات ليست عن السماء فقط، بل عن تلك اللحظة التي يختلط فيها الجمال بالحيرة، ويصير الضوء سؤالًا.
القصيدة
في المساءِ،
حينُ يلينُ الضوءُ على أطرافِ السماءِ،
وتصيرُ النجومُ شهودًا صامتين،
وقفتُ أُحدِّقُ في أفقٍ متردِّدٍ
لا يعرفُ إن كان سيولدُ قمرًا
أم سيكتفي بابتسامةٍ خجولةٍ
تشبهُ بدايةَ الحلم.
كان الهلالُ يتهجّى شكله الأول،
نحيلًا، مترددًا،
كقلبٍ يجرّبُ الحبَّ للمرةِ الأولى،
وفي الجهةِ الأخرى من الرؤية
لمحتُ وجهًا
أعرفهُ أكثرَ مما أعرفُ اسمي،
وجهًا لا يحتاجُ اكتمالًا
ليكونَ مضيئًا.
تداخلَ المشهدان،
حتى خانتني عيناي،
وصرتُ أسألُ النظرَ عن نفسه:
أهذا قمرُ الليلِ
أم وجهٌ سرقَ من السماءِ
سرَّ اللمعان؟
حيرتي لم تكن ضعفًا،
بل امتلاءً،
حين يتزاحمُ الجمالُ
ولا تجدُ الروحُ مساحةً للاختيار.
كنتُ أرى قوسَ الضوء
وأرى انحناءةَ الابتسام،
وأعجزُ عن الفصلِ
بين سماويٍّ وبشريّ.
الهلالُ كان صامتًا،
لكن الوجهَ كان يتكلّمُ
بلغةٍ لا تُنطق،
لغةٍ تفهمها الأرواحُ
حين تتعرّى من المنطق.
ولو لا ذلك الاحمرارُ الخفيف
الذي يفضحُ الخجلَ في الوجنتين،
ولو لا سوادُ الشعرِ
الذي يسرقُ الليلَ من ليله،
لربما صدّقتُ أن القمرَ
نزلَ متخفيًا
في هيئةِ إنسان.
كنتُ سأُقسمُ
أن ما أراهُ ليس بشرًا،
بل فكرةٌ ضوئية
نسيتِ السماءُ أن تستردّها.
كلما حاولتُ أن أُسمّي ما أراه
تبدّلَ الاسم،
فالقمرُ لا يكفي،
والحبيبُ كلمةٌ صغيرة
على اتساع هذا الأثر.
هناك أشياء
لا تُقاسُ بالمسميات،
بل بما تُحدثهُ
من ارتباكٍ جميل
في نظام القلب.
الهلالُ يكتملُ بمرورِ الأيام،
أما هذا الوجه
فكان كاملًا
حتى في نقصِه،
حتى في صمته،
حتى في تلك اللحظة
التي جعلتني أخلطُ
بين ضوءٍ يُعبد
وضوءٍ يُحب.
وفي كل مرة
أرفعُ بصري إلى السماء،
أراهُ مجددًا،
لا في مكانه،
بل في الذاكرة،
كأن القمرَ
تعلمَ ملامحه
من وجهٍ مرّ ذات مساء.
ما أصعبَ أن تكونَ شاهدًا
على جمالٍ
لا يريدُ أن يُفهم،
بل أن يُعاش.
كنتُ أبحثُ عن الهلال
لأعلنَ بدايةَ زمنٍ جديد،
فاكتشفتُ
أن بعض الوجوه
تُعلنُ بداياتٍ
لا تُحسبُ بالأشهر.
لم أعد أعلم
أيّهما أسبقُ إلى القلب،
ضوءُ السماءِ
أم ضوءُ النظرة،
فكلاهما
يُربكُ الظلام
ويُربكُني.
ولو خُيّرتُ
بين أن أُسمّي القمرَ حبيبًا
أو أُسمّي الحبيبَ قمرًا،
لاخترتُ الصمت،
فالصمتُ أصدقُ
حين يعجزُ التشبيه.
هكذا علّمني ذلك المساء،
أن بعض الحيرة
نعمة،
وأن بعض الوجوه
تجعلُ السماء
تُعيدُ التفكير
في ضوئها.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.