قصص وحكايات

أصوات لا تموت ولا تُنسى – قصيدة عن الحنين والذكريات

هل جربت يومًا أن يعلق في ذاكرتك صوتٌ لا يغيب؟ أن تمر السنوات وتتغير الملامح والأيام، لكن يبقى في أعماقك همسٌ واحد يوقظ الحنين كلما مر طيفه؟
في هذه القصيدة ستسافر بين نبضات الذاكرة، حيث لا يموت الصوت الأول، ولا تنتهي الحكاية التي بدأت باتصالٍ واحدٍ غيّر كل شيء... 💔
أصوات لا تموت ولا تنسى رغم مرور السنوات - قصيدة

رغم مرور الكثير من السنوات
لكني لا زلت أذكر أول اتصال منك،
كان المساء ساكنًا إلا من دقات قلبي،
وكان صوتك ينزلق بين أنفاسي
كما تنزلق القطرة على خدّ وردةٍ عطشى.

يا لروعة تلك اللحظة الأولى،
كأن العالم توقف ليسمعنا،
كأن السماء صمتت احترامًا لذلك الهمس،
حين قلتِ “مرحبًا” بصوتٍ خجولٍ،
فارتجف في قلبي ألف حلمٍ مؤجل،
وتفتحت نوافذ عمري على ضوءٍ جديد.

لا زال صدى همسك في أذني إلى اليوم،
كلما عبرت نسمة، تخيلت أنها تحمل بقاياك،
كلما غرد عصفور، ظننت أنه يردد نغمتك،
حتى المطر حين يهمي على نافذتي،
يشبه وقع كلماتك وهي تسكن أعماقي.

كم مضى من العمر بعد تلك المكالمة؟
كم تبدلت وجوه وأيام وأماكن؟
لكن شيئًا لم يبدل مكانك في الذاكرة،
أنتِ الصورة التي لم يقدر الزمن أن يشوهها،
أنتِ القصيدة التي لم يكتبها قلمي بعد،
لأنها مكتوبة على قلبي منذ البداية.

أتذكر حين ضحكتِ بخفةٍ،
كأنكِ تزرعين الفرح في الأثير،
كنتِ تقولين شيئًا عابرًا،
لكن قلبي حفظ كل حرفٍ كآيةٍ،
حتى سكتاتك القصيرة كانت عندي نغمة،
تملأ فراغ العالم حولي.

يا من عبرتِ في حياتي كنسمةٍ صيفية،
ثم تركتِ خلفك شتاءً من الحنين،
لم أعد أسمع صوتك،
لكن داخلي ما زال يعيد تشغيل تلك المكالمة،
كلما اشتدّ عليّ الليل،
وكلما ضاقت بي الذاكرة.

تذكرين حين سألْتِني عن الحلم؟
قلتُ: أنتِ الحلم الذي لا أريد أن أستيقظ منه،
وضحكتِ بخجلٍ،
فأقسمتُ أن تلك الضحكة
كانت كالنور يبدد عتمة أيامي.

يا أول اتصالٍ، يا آخر وعدٍ،
يا أول دفءٍ شعرتُ به في صقيع الغياب،
كل شيء تغير إلا أثر صوتك،
ما زال يزورني في المنام،
ما زلتُ أراه بين السطور،
ما زلتُ أسمعه بين الحروف.

كم مرة حاولت أن أنساك؟
لكن الذاكرة لا تطاوعني،
كل رقمٍ يشبه رقمك يوقظ فيّ الذكرى،
كل رنين هاتفٍ يوقظ قلبي من سباته،
كأن الكون كله مؤامرة من الحنين،
تذكرني بأنكِ كنتِ هنا يومًا.

يا من سكنتِ مكاني ومكانيتكِ فيَّ،
كيف لي أن أنسى أول نبضةٍ من صوتك؟
كيف أقتل الذكرى التي أحيتني؟
صوتك لم يكن مجرد كلمات،
كان وعدًا، وكان حضورًا،
وكان وطنًا مؤقتًا أهرب إليه من صخب العالم.

رغم مرور السنين،
رغم ما تهدّم من الحلم،
رغم أن الطرق افترقت بيننا،
ما زال في القلب متسعٌ لذلك الأثر،
ما زال في الأذن بقايا نغمتك الأولى،
وما زال في الليل صدى ناعمٌ يقول:
“أحبك” كما قلتِها ذات مساءٍ بعيد.

كم اشتقت لتلك البساطة،
لاتصالٍ لا يشبه اتصالات اليوم،
لا شبكات، لا تطبيقات،
فقط روحان تتحدثان بصدقٍ،
يصل الصوت عارياً من الزيف،
كما تصل الحقيقة إلى قلبٍ لم يتلوث بعد.

أتعلمين؟
أحيانًا أضع الهاتف بجانبي
وأغمض عينيّ كأنني أسمعك،
أعيد في ذهني كل تفاصيل تلك الليلة،
كيف كنتِ تتنفسين بين الجمل،
وكيف كان صمتك أبلغ من الكلام.

مرت أعوامٌ كثيرة،
رحل من رحل، وبقي من بقي،
لكن أنتِ كنتِ الحدث الذي لا يموت،
المكالمة التي لم تُغلق يومًا في وجداني،
كل رنينٍ بعدك ناقص النغمة،
كل صوتٍ غيرك فاقد الحياة.

يا من علّمتِني أن للأذن ذاكرة،
وأن الهمس قد يعيش أطول من الوجود،
أخبريني الآن،
هل ما زلتِ تذكرين؟
هل يمر في بالك ذلك المساء؟
هل تسمعين في صدرك صدى كلماتي القديمة؟
أم كنتُ وحدي السجين في ذاكرةٍ لا تنام؟

رغم مرور الكثير من السنوات،
لكني لا زلت أذكر أول اتصال منك،
ولا زال قلبي كلما تذكر،
يبتسم وجعًا،
ويقول لنفسه بهدوء:
“هناك أصواتٌ، لا تموت حتى وإن سكتت.”

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.