قصص وحكايات

قصيدة | رسالة إلى غائبي

في هذه القصيدة التي تحمل عنوان رسالة إلى غائبي، تنسكب الكلمات بصدقٍ ووجعٍ جميل، بين الحنين والوداع، بين ذاكرةٍ لا تُنسى وقلبٍ قرر أن يكتفي بالصمت بعد طول انتظار.
هنا، يكتب الشاعر آخر رسائله إلى الغائب الذي كان يومًا كل الحكاية، في سطورٍ تمزج بين الحبّ، الغفران، والتحرر من وجع الماضي.
قصيدة | رسالة إلى غائبي

رسالة إلى غائبي

أما بعد…
كيف حالك أيها البعيد؟
عساك بخيرٍ، في مأمنٍ من الحنين، وفي دفء الأيام التي لم أعد أشاركك تفاصيلها.
كتبت إليك بعدما خفت أن يذبل الكلام في صدري،
وبعدما شعرت أن الصمت قد يقتل ما تبقّى من بقايا السلام بيني وبين الذكريات.

كنتُ أنتظرك على مقعد الشوق كل مساء،
أحصي خطوات الغياب، وأرسم وجهك بين الغيوم،
أحادث الطيف عنك، وأُقنع نفسي أنك ستعود،
لكنّ الوقت كان يمضي، والليل يطول،
وصوتك الذي كان يسكنني غاب كما يغيب الضوء في آخر المدى.

يبدو أنك أحرقتَ السفن التي تعود بك إليّ،
تركتني على ضفاف الانتظار وحيدة،
أحمل حقيبة من أمنياتٍ لم تولد،
وخريطة من الطرق التي لا تنتهي إلا إليك.
لكن لا عليك، ولا تكترث لندائي…
فقد تعلمت أخيرًا أن بعض القلوب لا يُعاد إليها الطريق.

أردت أن أكتب لك رسالة الوداع الأخيرة،
رسالة لا تُقال فيها دمعة، ولا يُسمع بعدها وجع.
رسالة أودّع فيها النسخة القديمة من نفسي،
التي كانت تراك وطنًا لا يُغادر،
وأقول لها: كفي عن الركض خلف السراب،
فمن يرحل دون التفاتٍ لا يستحق البقاء في الذاكرة.

ستظل محفورًا في وجداني، لا لأنك تستحق،
بل لأن الذاكرة لا تُمحى بالقرار،
ولأن القلب – رغم كل شيء – لا يعرف النسيان حين يحبّ بصدق.
ستبقى في أعمق نقطةٍ بقلبي،
كوشمٍ لا يُرى، لكنه يُؤلم كلما مرّ عليه الحنين.

سأظل على عهدي معك في كل شيء،
لن أسيء إليك ولو خان الحبر حروفي،
ولن ألعنك ولو انطفأت في قلبي النجوم،
سأكتفي بالدعاء لك كل مساء،
أن تكون سعيدًا، أن تجد ما لم تجده معي،
أن تبتسم من قلبك يومًا، حتى لو لم أكن السبب.

لكنني لن أنتظرك بعد الآن،
لن أراقب حضورك في أحلامي،
لن أبحث عنك في الأغاني ولا في الملامح العابرة،
سأطفئ المصابيح التي كنت تُضيئها بنظرة،
وأتعلم أن أعيش دونك…
أن أتنفس وحدي، وأكتب لنفسي، لا لك.

يكفيني أنك بخير،
يكفيني أن الأيام علّمتني كيف أكون بعدك،
أن أرى في الغياب حياةً أخرى لا تعتمد على وجودك.
كنت أظن أنني لا أستطيع المضي دونك،
لكنني اليوم أمضي، بخطى واثقة،
أحمل بقايا حلمٍ قديمٍ وأزرعها في أرضٍ جديدة.

سأفسح لك الطريق كي تتخطاني،
فلعلّك تحتاج أن تمضي دون قيود الحنين،
ولعلّي أحتاج أن أشفى من وهم الانتظار.
اذهب، ولا تخف على قلبي…
فقد صار يعرف أن الفقد ليس نهاية العالم،
بل بداية لولادة روحٍ أكثر قوة،
وأصدق حبٍّ للذات.

وسأكمل حياتي بمفردي،
أتعلم أن أضحك من جديد،
أن أكتب قصائدي لنفسي،
أن أحتفل بشروق الشمس دون أن أتذكرك،
أن أملأ فراغ الأيام بما أحب،
وأدع لك مكانك فارغًا… لا لأنك ستعود،
بل لأن الذكرى لا تموت حين نغفر.

سلامٌ عليك أيها الغائب،
سلامٌ على ما كان، وعلى ما لن يكون،
سلامٌ على قلبي الذي أحبّك رغم الفراق،
وسلامٌ على الأيام التي جمعتنا ثم فرّقتنا.
وداعًا… لا بصوتٍ مكسور،
بل بابتسامةٍ نضجت من الألم،
ودعاءٍ صادقٍ أن يهبك الله سعادةً لا تنتهي،
حتى وإن لم أكن أنا طريقها.

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.