قصص وحكايات

قصيدة فراق مؤثرة - من لا يفتقد دفء حضورك لا تفتقد أعذار غيابه

أحيانًا لا يكون الفراق صاخبًا، بل هادئًا كخيط برد يتسلّل إلى الروح بصمت… فنكتشف أن الغياب ليس ما يؤلمنا حقًا، بل خيبة الذين لم يدركوا قيمة حضورنا. في هذه القصيدة ستعيش لحظات موجعة من الحنين، والخذلان، والوقوف على حافة الذكرى؛ وجعٌ هادئ يحكي حكاية قلبٍ أحب بصدق ورحل بكرامة… فكن مستعدًا لرحلة من الكلمات التي تلمس جرحك برفق وتضيء داخلك بشعاع أمل خافت لا ينطفئ.
قصيدة فراق مؤثرة - من لا يفتقد دفء حضورك لا تفتقد أعذار غيابه

من لا يفتقد دفءَ حضورك… لا تفتقدْ أعذارَ غيابه
دعْه يمضي…
فالغيابُ الذي لا ينزفُ في القلبِ…
لم يكنْ يومًا قريبًا من نبضِك.
دعْه يمضي…
فالذين يجيئون صدفةً
يرحلون صدفةً
ولا يتركون وراءهم
غيرَ الهواء…
وغيرَ الأسى العابرِ
على جدران الروح.

أنا هنا…
أحملُ في صدري حكايا الليل،
وأغزل من صبرِ أنيني خيط ضوءٍ
يمنحُ نافذتي نفسًا أخيرًا.
أجلسُ حيثُ كنّا نجلس،
في الزاويةِ التي عرفت ضحكاتنا،
أتلمّس الفراغَ،
وأصغي لضحكاتٍ ماتت في الذاكرة،
ولظلّ صوتك…
وهو يعبر في رأسي كريحٍ مقطوعة الجناح.

يمرّ المساء،
هادئًا… بطيئًا… رماديًا،
كأن النجومَ لبستْ ثوب الحداد،
وكأن القمرَ يختبئُ من وجهي
خشيةَ أن يرى دمعةً
تتدلّى فوق خدٍ
أنهكه الانتظار.

كنتَ الدفءَ،
فلماذا تركتَ قلبي في بردٍ لا ينتهي؟
كنتَ الوطن،
فلماذا صرتَ الغربةَ والحدودَ واللا أحد؟
علّمتني أن أبتسم،
ثم تركتني أتعثرُ في الأسى وحدي،
كطفلٍ ضاع من يد أمّه
في شارعٍ طويلٍ لا يعرفُ آخره.

أتعرف…؟
ليس الفراقُ موتًا،
بل حياةٌ أبطأ…
وأشد صمتًا…
وأطول مما يُحتمل.
هو أن نعيشَ بنصف قلب،
ونصف ذاكرة،
ونصف حلم،
ونصف حياة…
لا تموت تمامًا… ولا تُشفى تمامًا.

كنتُ أظنُ أنّ الوفاءَ
كافٍ ليبقى الذين نحبّهم،
لكنهم يرحلون أحيانًا
لأن قلوبهم لم تُخلق لتسكن قلوبنا طويلًا،
يرحلون لأن الريحَ أسرعُ منهم إلى الرحيل،
ولأن الغيمَ لا يَمطرُ في المكان ذاته مرتين.

أنا لا ألومك…
ولا أعتب عليك…
فالخسارةُ ليست دائمًا خطأ أحد.
أحيانًا يضيق الطريقُ بحلمٍ اثنين،
وأحيانًا يهرب البوح،
وتضيع الكلمات،
ويتعلم القلبُ أن يتخفف
حتى من الذين أحبّهم كثيرًا.

من لا يفتقدُ دفءَ حضورك
لا تفتقدْ أنت أعذارَ غيابه،
لا تبحث عن يدٍ أفلتت يدك،
ولا تركض خلفَ ظلٍ
لا يعرفُ كيف يمنح جسدًا لظلاله.
امضِ…
ولكن بخطواتٍ لا تنحني،
وامضِ…
ولا تجعل الانطفاءَ سبيلك،
ولا الحنينَ قيدَك،
ولا الغيابَ دينًا في عنق روحك.

أنا موجوعٌ… نعم.
لكنني لستُ مكسورًا.
فالألمُ يا رفيق الأمس
لا يكسرُ من عرف كيف ينهض.
ربما أنهارُ قليلًا،
ربما أضعفُ حين يجيء الليل،
ربما أبكي حين تخونني الذكريات،
لكنني بعد البكاءِ
أرتّبُ روحي
وأجمع شتاتي
وأعيدُ لقلبي شكله الإنساني
ولو كان ناقصًا…
ولو كان مثقلًا…
ولو ظلّ يعرجُ زمنًا طويلًا.

وأمضي…
ولو أنّ الطريقَ بلا معالم،
والخطى مجهدة،
والريحُ تصفّر في أضلعي
كأنها تعلنُ حدادًا مؤبّدًا
على ما كان.

سأمضي…
لأن في الروحِ بقية ضوء،
وفي قلبي نافذة
لم تنطفئ تمامًا،
وفي حزني مساحة بيضاء
لم يكتب عليها الخرابُ بعد.
سأمضي…
لا هربًا منك،
بل هربًا إلى نفسي
التي أهملتها طويلًا
وأعطيتك من مساحتها ما يكفي
لأضيع فيها أنا.

سأتركُ لك ما تشاء من الذكريات،
خذْ الضحكات،
خذْ المواعيد،
خذْ التفاصيل الصغيرة،
خذْ الأغاني،
خذْ المقهى والشارع والوقت المعلّق
بين صدقٍ… وظلِّ خيبة.
خذْ الهدايا،
خذْ الرسائل،
خذْ ما تبقّى من حروف اسمك في أوراقي.
لكن…
اترك لي ما تبقّى من نفسي،
فهي الآن كلُّ ما أملك.

أنا لا أريد أن أعود إلى الوراء،
فليس في الأمسِ
إلا ما يكفي من الألم،
وليس في الذكرى
إلا مقعدٌ شاغر
يُذكّرني بأنني انتظرتُ كثيرًا
عن عبث.

أتعلم ما هو الفراق؟
هو أن نُشفى ببطء،
أن ننسى ببطء،
أن نطفئ شمعة الذكرى
مرارًا…
فتعود لتشتعل من شرارةٍ صغيرة
في آخر الليل.
هو أن نكابر أمام الآخرين،
ثم ننهارُ في وحدتنا
كغصنٍ يابس
لم يبقَ فيه ماء ليستمر في الربيع.

الفراقُ يا رفيق الأمس
ليس نهاية الحياة،
لكنه يشبه
انطفاء مدينة بكاملها
في قلب إنسان واحد.
تشبه محاولة النهوض
وأنت تعرف أنك بلا جناحين…
وبلا صوت…
وبلا كتف تسند روحك إليها.

ومع ذلك…
سأنهض.
سأجمع ما تبقّى مني
كطفلٍ يجمعُ قطع لعبته المكسورة
ويحاول إصلاحها
رغم أنه يعرف
أنها لن تعود كما كانت.
سأنهض…
لأن السقوط عادةٌ بشرية،
والنهوضُ شجاعة
لا يعرفها إلا الذين ذاقوا الحزنَ
حتى آخر قطرة.

سأنهض…
لأن الليل مهما طال
سيولد فجرٌ من جهةٍ ما،
ولأن القلب مهما نزف
سيأتي يومٌ
يتوقف فيه الألم عن الصراخ،
ويتحول الجرحُ
إلى ندبةٍ صامتة
لا توجع…
بل تُذكّر فقط.

سأنهض…
ولن أكرهك،
فالكراهيةُ امتدادٌ للحب
ولن أمنحك هذا الامتداد.
سأكتفي بأن أراكَ
صفحةً طويتُها أخيرًا
بعد أن أدمَت أصابعي طويًا.
سأراكَ ذكرى،
لكنني لن أعود إليها،
وسأراكَ ماضيًا
لكنني لن أستدعيه.
وسأراكَ حكاية
لكنني لن أرويها لأحد.

فمن لا يفتقد دفءَ حضورك
لا يليقُ بقلبٍ
يحفظ الفصولَ الأربعة في عينيك.
ومن لا يشتاقُ إليك،
لا يستحقُّ أن تتلو عليه مواويل الانتظار.
ومن لم يرَك وطنًا…
لا تستغرب إن رآك غيمة عابرة.

واليوم…
أعلنها لنفسي أولًا:
لقد انتهى الطريق.
لا لأنني لا أحبك،
بل لأن القلب
لا يليق به أن يظل سجينًا
في بابٍ أغلقه صاحبه عن قصد.
انتهى…
لأني أخيرًا فهمتُ
أن التمسّك بمن لا يتمسك بك
شكْلٌ تراجيدي
من أشكال الانتحار البطيء.

وغدًا…
حين تستيقظ في صباحٍ بعيد،
وتفتش في هاتفك عن ظلّ أحدهم
ولا تجدني،
وحين تمرّ على الأمكنة
فتفتقد صوتي،
وحين تبحث في الكلام
عن اسمي
ولا يعينك الحرف،
لن أكون هناك.
سأكون قد رحلتُ
إلى ضوءٍ آخر،
وزرعتُ وجعي في تربة جديدة
كي لا يموت…
بل يتحوّل
إلى شيءٍ أجمل.

وربما — من يدري؟ —
سألتقي بنفسي من جديد،
وسأحبّها كما يليق بها،
وسأجد يدًا
لا تفلتُ يدي،
وصوتًا
لا يغيب في منتصف الحكاية،
وحضورًا
لا يشبه الغياب المقنّع بالاعتياد.

فالحياة — رغم كل شيء —
ما زال فيها متسع
للفرح الذي تأخّر،
وللبدايات التي وُلدت يتيمة
وتبحث عن بيت.
ومادام في القلب نبض
فللقصة فصلٌ جديد
لم يُكتب بعد.

أما أنت…
فكن بخير،
بعيدًا عني أو قريبًا،
لا يهم.
كن بخير
هكذا فقط…
كما تمنّيتُ لك دائمًا
حتى وأنا أنزفُ منك.

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.