على ضفّةِ العِتابِ جلستُ أُرمّمُ ما تبقّى من الحنين،
أسائلُ الصمتَ: هل خانَ الوفاءُ؟ أم خانَتِ السنين؟
كنتَ نسمةً تُداعبُ نبضي، فصرتَ ريحاً من شتاءٍ حزين،
يا مَن وعدتَني بالأمان، كيف جعلتَ قلبي سجين؟
أتذكُرُ حينَ كُنتَ تقول: "لن أرحلُ يوماً"؟
ها أنتَ تمضي، وقلبي ما زالَ يفتّشُ عن مَواطِنِ الظنون.
كنتَ لي وطناً من دفءِ الصدقِ، فصرتَ غيمةً بلا مطر،
ترحلُ حيثُ تشاءُ، وتتركني في صحراءِ الانتظارِ أحتضر.
يا مَن جعلتَ لياليَّ تشتعلُ بالشوقِ،
أما علمتَ أنَّ الشوقَ إن طالَ، يصيرُ ناراً تأكلُ القلب؟
كُنتُ أُصدّقُ أنَّ للحبِّ وجهٌ واحد،
فعلّمتني أنَّ لهُ وجوهاً تُتقنُ التمثيلَ أكثرَ من البكاء.
أتدري؟
ما عادَ يؤلمني غيابُك، بل يُوجِعُني حضورُكَ في الذاكرة.
كأنَّك طيفُ وجعٍ يزورني عندَ كلِّ مساء،
يطرقُ بابَ الحنينِ، ثم يرحلُ دونَ وداع.
يا مَن كانَ لي ملجأً، صرتَ اليومَ لي جداراً من صمت،
أسكنُ خلفَهُ وحدي، أُحادثُ ظلّي، وأستعيرُ من الحنينِ دفئاً لا يجيء.
كنتَ تقولُ: "أنا معك"، فكنتُ أؤمنُ بكَ كإيمانِ العابدِ بصلاته،
لكنَّك نسيتَ أنَّ الدعاءَ بلا إخلاصٍ لا يُستجاب.
كم مرّةٍ غفرتُ؟
كم مرّةٍ لبستُ الصبرَ ثوباً كي لا يراكَ الناسُ مذنباً؟
كنتُ أبحثُ عن عُذرٍ لكَ في كلِّ انكسارٍ،
حتى صارَ العُذرُ وجهاً آخرَ للخذلان.
يا أنتَ...
هل سمعتَ يوماً وجعَ امرأةٍ تُعاتبُ بصمت؟
إنَّها لا تَصرخُ، بل تنزفُ بصوتٍ لا يُسمع،
تُخفي وراءَ الابتسامةِ بحراً من وجعٍ،
وتغزلُ من الحنينِ أملًا يُشبهُ السراب.
أتدري ما العتابُ؟
هو آخرُ شكلٍ للحبّ قبلَ أن يموت.
حينَ يعجزُ القلبُ عن النسيان،
ويعجزُ الكبرياءُ عن البوح،
فينكسرُ بينهما الصدى،
صدى الحنينِ والخذلانِ والانتظار.
سأكتبُكَ اليومَ بحبرٍ من عتاب، لا من شوق،
وسأُهديكَ قصيدتي هذه لتعلمَ أنّي ما زلتُ أذكُر،
لكنّي لستُ كما كنتَ تتركني: ضعيفةً أرتجفُ على بابِ العودة.
لقد تعلمتُ أنَّ الحنينَ لا يُعيدُ الغائبين،
وأنَّ الكرامةَ حينَ تجرحُها مرّةً،
لا تُشفى ولو مرّت عليها أعوام.
يا من كنتَ حُلماً جميلاً وأفقتُ منهُ على وجع،
شكراً لأنَّك علّمتني كيفَ أُحبّ نفسي بعدَ أن أنكرتَها،
وكيفَ أجدُ في الوحدةِ راحةً تفوقُ زيفَ الحضور.
كنتَ لي درساً من الحياةِ، لا يُنسى،
علّمني أنَّ العِتابَ الجميلَ لا يُقالُ إلا لمَن يستحقُّه،
وأنتَ يا من كنتَ يوماً قلبي...
لم تعُد تستحقُّ الكلام.
فاذهبْ حيثُ تأخذُكَ الرياح،
ودعْني أضمّدُ قلبي،
وأزرعُ في داخلي أملاً جديداً لا يُشبهُكَ.
سأُغنّي للحياةِ من جديد،
وأكتبُ على جدارِ الأيامِ:
أنَّ الخذلانَ ليسَ نهايةَ الطريق،
بل بدايةُ نُضجٍ من رمادِ الحنين.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.