في زمنٍ سريع يقتل المشاعر، تعود رسالة من الماضي لتوقظ قلبين ظنّا أن الحب مات. قصة من الواقع تحمل صدق العاطفة ودفء القدر... اقرأها كاملة.
في زمنٍ لا يعرف الصبر طريقًا إلى القلوب، كانت "علياء" تسابق الحياة، فتاة في أواخر العشرينات، تعمل كمهندسة تصميم داخلي في شركة كبيرة بالقاهرة.
كانت حياتها تسير بخط مستقيم: عمل، بيت، صديقات، أحلام مؤجلة... لكنّها لم تكن تشعر بالامتلاء، وكأن جزءًا من روحها يبحث عن شيء ضاع منذ زمن.
في أحد الأيام، وبينما كانت تتصفح البريد الإلكتروني في مكتبها، لفت انتباهها اسم مألوف بين الرسائل:
“أحمد عبدالسلام – مشروع التعاون الهندسي”
تجمدت أناملها للحظة.
اسم "أحمد" كان أكثر من مجرد زميل عمل جديد، كان الاسم الذي كانت تتهرب منه داخلها منذ ثماني سنوات.
ذلك الشاب الذي أحبّته في الجامعة بصمت، ولم تجرؤ يومًا على مصارحته، حتى افترقا بعد التخرج، كلٌّ في طريق.
فتحت الرسالة بخفقانٍ لم تشعر به منذ زمن.
كانت رسالة عمل عادية، لكنّها حملت بين السطور نَفَسًا مألوفًا، ودفئًا خفيًّا أعادها إلى مقاعد الكلية، وإلى تلك الأيام التي كانت تسرق فيها النظرات من بعيد.
تنفست بعمق، وردّت عليه بعبارة رسمية:
"أهلًا أستاذ أحمد، تم استلام التصميمات وسنبدأ بالمراجعة فورًا."
لكنّ قلبها لم يكن رسميًا أبدًا...
لم تمضِ أيام حتى جاء موعد الاجتماع الأول بينهم في مقر الشركة.
حين دخل أحمد إلى القاعة، بدا وكأنه لم يتغير كثيرًا، لكن عينيه كانتا تحملان نضجًا لم تعرفه من قبل.
ابتسم عندما رآها وقال بخفوت:
"علياء؟ لم أكن أتوقع أن أراك هنا بعد كل تلك السنوات."
ردّت بابتسامة مرتعشة:
"العالم صغير... أو القدر كبير بما يكفي ليجمعنا."
جلسا متقابلين، يتحدثان عن الخطط والمشاريع، لكن بين الكلمات كان هناك شيء آخر يتحرك... شيء يشبه الحنين.
تبادل النظرات لم يكن خطأً، لكنه كان يحمل في طياته كل ما لم يُقال يومًا.
بعد الاجتماع، كتب أحمد في نهاية البريد الجديد:
"مسرور بالتعاون، واللقاء... بعد كل هذا الوقت."
كانت الجملة بسيطة، لكنها جعلت قلبها ينبض كما لم ينبض منذ سنين.
تكررت المراسلات، وبدأت لهجتهما تميل إلى اللين والدفء.
كانا يتحادثان ليلًا أحيانًا عن مشاريع، وأحيانًا عن أشياء لا تخص العمل إطلاقًا: الموسيقى، الذكريات، والكتب التي كانا يحبانها في الجامعة.
وفي إحدى الليالي، كتب أحمد:
"أتذكرين آخر يوم لنا في الكلية؟ كنتِ ترتدين وشاحًا أزرق، وكنتِ صامتة أكثر من المعتاد. ظننت أنكِ غاضبة مني."
أجابت:
"لم أكن غاضبة... كنت خائفة أن تنتهي الأيام التي أراك فيها."
صمتت للحظة بعد أن أرسلت الرسالة، وترددت أن تضغط على زر الإرسال، لكنها فعلت.
كانت تلك أول مرة تلمّح له بما في قلبها القديم.
ردّ بعد دقائق طويلة بدت دهراً:
"ليتني كنت أعرف... ربما ما كنا افترقنا."
ومن تلك الليلة، تغيّر كل شيء.
توالت الأيام، وأصبح أحمد يأتي إلى مكتبها بحجة العمل، لكن النظرات كانت تقول أكثر مما يُقال.
كانت علياء تخاف من أن تغرق من جديد، فهي تعلم أن أحمد مرتبط، أو هكذا ظنت.
لكن ذات مساء، أثناء خروجهما من المكتب، قال أحمد بنبرة حزينة:
"انفصلت عن خطيبتي منذ عامين، لم يكن هناك توافق، ولم أعد أبحث بعدها عن أي علاقة."
توقف الزمن للحظة.
نظرت إليه علياء بعينين تملؤهما الدهشة والشفقة والفرح في آنٍ واحد.
"لم أكن أعلم..."
"ولا كنتِ لتعلمي، لأنكِ اختفيتِ فجأة من عالمي."
كانت تلك الجملة كطعنة ناعمة في قلبها.
أرادت أن تخبره بأنها لم تختفِ، بل اختبأت من حبها له خوفًا من الخيبة، من الفقر، من الحياة التي لا ترحم العشاق الحالمين.
لكنها لم تقل شيئًا.
في الأيام التالية، ازداد قربهما.
صار أحمد يرافقها إلى المقهى القريب من الشركة، يتحدثان عن أحلام ضاعت، عن فرص لم تُستغل، وعن الحياة التي سرقت منهما الشباب دون إذن.
كانت تضحك معه بحرية لم تعرفها منذ زمن.
وكان هو ينظر إليها كما لو كانت النجاة بعد الغرق الطويل.
ذات مساء، بعد لقاءٍ مطوّل، أخرج أحمد هاتفه وقال مبتسمًا:
"أتذكرين هذا المكان؟"
وأراها صورة قديمة لهما مع مجموعة الزملاء أمام بوابة الجامعة.
ضحكت:
"يا إلهي، كيف احتفظت بها؟"
قال بهدوء:
"لم أستطع حذفها... كنتِ جزءًا من أكثر أيامي صدقًا."
كان صوته يحمل اعترافًا غير مباشر، وقلوبهما كانت تفهم اللغة دون كلمات.
مرت أسابيع من القرب الجميل، حتى بدأت علياء تلاحظ تردده.
صار يتهرب من اللقاءات، ويؤجل المكالمات.
في البداية ظنت أن العمل هو السبب، لكن إحساسها كان يقول العكس.
وفي مساء خريفي بارد، وصلتها رسالة منه تقول:
"علياء، قد لا أكون الشخص الذي تتوقعينه... هناك تفاصيل في حياتي لم أخبرك بها بعد، وسأفعل قريبًا."
قرأت الرسالة مرارًا، لكنّه لم يُكمل الحديث بعدها.
بعد أيام، علمت من زميلة له أن أحمد تلقى عرض عمل في دبي، وأنه يفكر بالسفر.
لم يخبرها بنفسه، ولم يودّعها.
قضت تلك الليلة تبكي بصمت، بينما كانت تكتب على هاتفها رسالة لم تُرسلها أبدًا:
"أحمد، كنت البداية التي لم أكتب لها نهاية.
ربما لم نُخلق لنكون معًا، لكنك كنت الشخص الذي علّمني أن الحب لا يحتاج موعدًا، بل صدقًا."
أغلقت الهاتف، ومسحت دموعها، وعادت إلى عملها في الصباح التالي.
مرّ عام كامل.
كانت علياء قد تغيرت، أقوى، أنضج، وأكثر هدوءًا.
لكن في أعماقها بقي مكان صغير يحمل اسمه.
في أحد الأيام، وأثناء تصفحها موقع الشركة، رأت إعلانًا جديدًا:
"عودة المهندس
أحمد عبدالسلام – المدير التنفيذي للمشاريع الإقليمية."
تسارعت أنفاسها، لم تصدق عينيها.
وفي اليوم التالي، حين دخلت القاعة لاجتماع المفاجأة، كان يقف هناك، بنفس الابتسامة القديمة، لكن هذه المرة اقترب منها بثقة وقال أمام الجميع:
"أظن أن الوقت قد حان لتكتبي النهاية... على طريقتنا."
ضحكت وهي تهمس له بخجل:
"أو ربما البداية."
في مساءٍ هادئ على ضفة النيل، جلسا سويًا، يتحدثان عن الغياب، عن الشوق، عن الرسائل التي لم تُرسل.
قال أحمد:
"كنت أفتح بريدك القديم كل فترة، أقرأ رسائلك من دون ردّ، وكأنني أسمع قلبك من بين الكلمات."
ابتسمت وهي تنظر إلى الأفق:
"وكنت أكتب لك كل ليلة رسالة لا أرسلها، لأبقيك حيًّا في قلبي."
ساد الصمت بينهما، لكنه كان صمتًا دافئًا...
صمت من يعرف أن اللقاء الثاني ليس صدفة، بل استجابة لدعاء قديم تأخر صداه.
النهاية: لأن بعض الرسائل تُكتب ليقرأها القدر فقط.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.