قصص وحكايات

قصيدة حين رحلت أمي.. سكت النداء

رحيل الأم يترك فراغًا لا يملؤه شيء، ووجعًا لا يهدأ مهما مرّ الزمن.
في هذه القصيدة الوجدانية، يبوح القلب بما عجز اللسان عن قوله، في وداع الأم التي كانت وطنًا وسكينةً وملاذًا.

قصيدة حين رحلت أمي.. سكت النداء

رحلت أمي، فصار البيت غريبًا عليّ،
كل جدار يهمس باسمها، وكل زاوية تذكرني بخطاها،
كانت تملأ المكان بدفءٍ لا يُشترى،
وبضحكةٍ تشبه النسيم في يومٍ صيفيٍّ خانق،
واليوم… لا شيء سوى صمتٍ ثقيلٍ يقطّع القلب.

كل صباحٍ أستيقظ على وهم صوتها يناديني: استيقظ يا بنيّ، لقد برد الشاي!
أمدّ يدي لأجيبها، فلا أجد إلا الفراغ،
وأتذكر أني لم أعد أملك سوى صورتها الباهتة،
وصدى ضحكتها التي يختبئ فيها عمري كلّه.

يا الله… كم أشتاق لحضنها، ذاك الوطن الصغير الذي كان يحتويني،
أشتاق ليديها اللتين كانت تضعهما على رأسي حين أتعب،
كأنهما تحملان كل الطمأنينة التي خلقها الله على الأرض،
أشتاق لصبرها، لدمعتها الخفية حين كنت أمرض،
ولصوتها وهي تدعو لي في آخر الليل حين ينام العالم كله.

أمي…
كيف للسماء أن تشرق بعد رحيلك؟
كيف يضحك الفجر وأنا لم أعد أسمع دعاءك؟
كنتِ نوري في كل ظلمة، وها أنا أغرق في العتمة وحدي،
كنتِ ملجئي من الخوف، واليوم أصبح الخوف يسكنني.

يا لوجع الأيام بعدك،
صرت أشتري الورود لأضعها على قبرك،
بدل أن أضعها بين يديك في عيد الأم،
صرت أزورك بصمت، وأحدث التراب كأنك تسمعينني،
أحكي لك عن ألمي، عن وحدتي، عن ليالٍ طويلة لا تنتهي،
ثم أعود والدموع تسبقني إلى البيت الذي لم يعد بيتًا.

رحلتِ يا أمي، لكني ما زلت أراك في كل امرأة عجوز تبتسم،
في كل دعاءٍ يخرج من قلبٍ صادق،
في كل طعامٍ تفوح منه رائحة الطيبة،
في كل سجادةٍ تحمل آثار السجود،
فأعلم أنكِ هنا… وإن غابت ملامحك عن عيني.

أذكر حين كنتِ تقولين لي: “ستفهمني يومًا حين تفقدني.”
وها أنا الآن أفهم كل شيء… لكن بعد فوات الأوان،
أفهم لماذا كانت يداكِ ترتجفان وأنتِ تمسحين دموعي،
ولماذا كانت عيناك تبتسمان رغم الألم،
كنتِ تخفين عني تعبك كي لا أتألم،
وها أنا اليوم أتألم عنك وعن نفسي معًا.

كم وددتُ لو يعود الزمن لحظة،
فأقبّل جبينك وأقول لكِ كم أحبك،
كم أحتاجك، كم أنني لم أكن أدرك أن الفقد بهذا العمق.
كل مساءٍ، حين أضع رأسي على الوسادة،
أهمس باسمك، كأن الهمس قد يعيدك للحياة،
لكن لا صوت يأتيني… سوى صدى أنفاسي المكسورة.

يا رب،
إن كان فراقها وجعًا لا يشفى،
فامنحني الصبر لأحمل هذا الوجع بسلام،
واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة،
واسقِ ترابها برحمةٍ لا تنقطع،
فهي أمي… وكانت لي الدنيا كلّها.

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.