في هذه القصيدة سنسافر إلى ذلك الركن الدافئ من الحياة، حيث يُولد الأمان من قلبٍ واحد يفهمنا دون تعب، ويمنحنا دفئه حين تبرد الأيام. لنبدأ الرحلة.
يا مَنْ إذا ضاقَ الصدرُ يومًا، صارَ صدرُهُ مسكني،
ومَنْ إذا خفتُ ارتجافَ الطَّريق، كانَ كفُّهُ أوَّلَ مَنْ يُمسِكني.
يا ظِلًّا يسبقُ الشمسَ كي لا أُصابَ بحرِّها،
ويا دفئًا يسبقُ الشتاءَ كي لا أرتعشَ في صقيعِه.
الأمانُ…
ليسَ جدارًا نلوذُ به، ولا بابًا نغلقه،
إنَّهُ رُوحٌ تُجاورُ رُوحَنا كأنَّهما خُلِقا ليحتملا بعضهما،
قلبٌ يُصغي، لا لِيُجيب، بل لأنه يُحبُّ أن يعرفَ نبرةَ يومِنا،
يدٌ تعرفُ وجعَنا قبل أن يفرُّ من أعيننا.
ومن أين يأتي الأمانُ؟
يأتي من شخصٍ واحد،
يأتي من نظرةٍ تُطفئ ارتباكَ المساءِ،
من ابتسامةٍ تُنقذُ آخرَ ما أُتعبَهُ النهار،
من كلمةٍ قصيرةٍ جدًّا… لكنها تُقيمُ الدنيا على أكتافها.
ذلك الذي يراكَ مُنهَكًا…
فيُسرِعُ ليلملمَ شتاتَك،
لا يسألُك: لماذا سقطت؟
بل يقولُ لك: تعالَ، وسنقفُ معًا.
ذلك الذي يشعرُ أنَّ اهتمامَك جزءٌ من ممتلكاتِه الثمينة،
يصونه، يحرسه، يخافُ عليهِ من الخدوش،
فحين تخبره عن تفاصيل يومك المُرهِقة،
يستمعُ إليك كأنَّك تُلقي ما أثقلَ روحَك بين يديه،
وكأنه يخافُ أن تتعثر كلمةٌ في حلقك فيلتقطها عنكَ برفق.
يا لهذا الأمان الجميل…
أن تجد من يُحاربُ حزنَك كأنه عدوُّهُ الأكبر،
من يواجهُ ألمَك بصدْرٍ ثابتٍ لا يلين،
وكأنَّ دمعتَك تُشعلُ في داخله حربًا لا تهدأ،
حربًا لا ينتصرُ فيها إلا إذا انتصرتَ أنت.
الأمانُ…
أن تمتلكَ شخصًا لا يملُّ حديثَك، ومَنْ يملُّ من روحِ مَنْ يُحب؟
أن تجدَهُ مُستعدًا لسماعِك كلَّما ضاقت الدنيا،
وكلما ضاقت كلماتُك أنتَ،
يبحثُ عنها في وجهِك، في ارتجافِ صوتِك،
في الأشياء التي لم تَقُلها…
ويفهمُها دون أن تطلبَ منه شيئًا.
هو ذلك الكوخُ الدافئُ في قلبِ العاصفة،
أبوابُه لا تُغلقُ في وجهِك،
وقناديلُه مُضاءةٌ مهما طالَ الغياب،
وخشبُه المشقَّق يشبهُ تعبَك، لكنه ثابت،
ثابتٌ كأنه خلقَ ليكون آخر ما ينهارُ في هذا العالم.
أحبَّةٌ كثيرون مرُّوا،
لكنَّ الأمانَ لا يأتي إلا في هيئةٍ واحدة،
هيئةِ شخصٍ حين تراه تقولُ في سرِّك:
هذا بيتي… حتى لو لم أسمِّه بيتًا.
كم جميلٌ أن نجد من يشبهُ سجَّادة صلاة،
نهربُ إليه من جلبةِ الأيام،
فنهدأ، ونطمئنُّ، وتُطفَأُ فينا حرائقٌ كانت توشك أن تُحيلَنا رمادًا.
كم جميلٌ أن نجد من يُزهرُ القلبُ من كلماته،
من يجعلُ أرواحَنا تنبتُ من جديد،
من يروي عطشَنا اللغويَّ بابتسامة،
وبصوتٍ لا يزالُ قادرًا على حملِنا رغم ضعفِه.
يا ذلك الذي لم أسأله يومًا:
“هل ستحتملني؟”
لأنَّك كنتَ دائمًا الإجابة،
ودائمًا الحضن،
ودائمًا المرفأ.
يا مَنْ أعطيتني معنى للأمان…
ليس الأمان أن تبقى،
بل أن أشعرَ أنك لو ابتعدتَ قليلًا،
سيظلُّ قلبُك يقفُ أمام بابي،
ينتظرُ أن أدعوهُ للدخول.
ويا لهُ من شعورٍ لا يشبهه شيء…
أن يكون لدينا في هذه الدنيا شخصٌ لا يتعبُ من حديثنا،
لا يهربُ من ثقلِ يومنا،
لا يخشى غضبَنا،
لا يتركُنا نقفُ وحدنا أمام برد الحياة.
فإن سُئلتُ يومًا عن الأمان…
قلت:
هو أنت،
هو ظلُّك،
هو دفءُ يدِك،
هو صوتُك الذي يسبقُ خيبتي…
ويقولُ لي:
"ما دمتُ هنا… فلن تخافي شيئًا."
تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.