لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا في ظاهره عن غيره، لكن قلب "ريماس" كان يعرف أن شيئًا ما سيتغيّر. فتحت نافذتها ببطء، كانت الشمس تتردد في البزوغ، وكأنها هي الأخرى تشعر بثقل الحكايات التي لم تُكتب بعد. الهواء البارد كان يحتضن أنفاسها المرهقة، فتذكّرت جملة كانت ترافقها منذ سنوات:
"ما أكثر الكلمات التي تتراجع أصابعنا عن كتابتها رغم أنها أصدق ما نشعر به."
كانت هذه الجملة تختصر كل ما عاشته، وكل ما حاولت قوله ولم تستطع، وكل الرسائل التي كتبتها ثم محتها قبل أن تصل إلى أحد.
جلست أمام مكتبها الخشبي العتيق، ذلك الذي ورثته عن أبيها، ومسحت الغبار عنه بإصبعها. ليس لأنها تريد الكتابة، بل لأنها أرادت أن تُشغل قلبها بأي شيء آخر يمنعها من التذكّر، ولكن الذاكرة كانت أقوى، وأعمق، وأشدّ إصرارًا من كل محاولاتها.
الفصل الأول - حكاية بدأت بصمت
كانت ريماس تُتقن فنّ إخفاء ما تشعر به. تبتسم حين يجب أن تبكي، وتقول "أنا بخير" حتى عندما كان قلبها يغرق. لم تكن ممّن يسكبون مشاعرهم بسهولة، فهناك في داخلها عالم كامل لا يعرف أحد عنه شيئًا.
كانت تقول دائمًا لنفسها:
"هناك قلوب صامتة تحب وتفرح وتحزن في صمت، وتمارس البكاء في صمت، وتتخذ من الصمت طريقة أخرى للتعبير."
ولذلك، كان من الطبيعي أن تُخفي قصة حبّها التي لم ترَ النور يومًا.
قصة بدأت ذات مساء هادئ حين التقت بـ"راغب" صدفة. لم تكن تبحث عن الحب، لكن الحب كان يبحث عنها. لم تكن تتوقع أن يجد قلبها ملاذه في ابتسامة هادئة، أو نظرة صادقة، أو تلك العفوية التي كان يتحدث بها.
لكنّ أجمل القصص دائمًا تبدأ دون تخطيط، ودون محاولة، ودون إذن.
مرت الأيام، وأصبحت لقاءاتهما الصغيرة تشبه نافذة يدخل منها الضوء إلى قلبها، لكنه الضوء الذي تخاف أن يعميها إن هي اقتربت منه أكثر مما ينبغي.
راغب كان يفهم الصمت، وهذا ما جعلها تتعلق به دون أن تشعر. لم يكن يسأل كثيرًا، ولم يكن يضغط عليها لتقول ما لا تستطيع قوله. كان يكتفي بأن يجلس بقربها، وأن يُشعرها بأنّ وجودها وحده يكفي.
ومع ذلك… لم تكن الأشياء تُبنى على اليقين دائمًا. هناك دائمًا هامش من الخوف يُرافق القلوب التي اعتادت أن تخسر قبل أن تحب.
الفصل الثاني - رسائل يكتبها الحنين
في إحدى الليالي، جلست ريماس على سريرها، وكأن قلبها يثقل أكثر من اللازم. أمسكت هاتفها، وبدأت تكتب رسالة لراغب. كلمات كانت تتدفّق بحرارة الشوق:
"اشتقت. ليس إليك فقط، بل إلى نسخةٍ مني كانت لا تخاف من البوح، ولا تهاب الاعتراف بما تشعر به."
كتبت أكثر… وأكثر… وأكثر…
حتى أصبحت الرسالة طويلة، صادقة، جارحة بصدقها، ثم…
حذفتها.
تمتمت وهي تغلق الهاتف:
"وكم من رسائل يكتبها الحنين ويحذفها الكبرياء…"
لم تكن مشكلتها في أن تعترف، بل في خوفها مما سيحدث بعدما تعترف. ماذا لو ابتعد؟ ماذا لو لم يكن شعوره مثل شعورها؟ ماذا لو انكسرت مرة أخرى؟
لقد تعلّمت كثيرًا مما مرّ بها سابقًا:
الحب وحده لا يكفي، والصدق وحده لا يُنقذ، والاقتراب من أحدهم يحتاج إلى شجاعة أكبر من احتمال الفراق.
الفصل الثالث - حديثٌ أخرس لا تصفه الحروف
في صباح آخر، التقت ريماس براغب كما اعتادت. لم يكن بينهما ما يستدعي القلق، لكن قلبها كان يحمل حديثًا ثقيلًا. شيء يشبه اعترافًا غير مكتمل، أو أمنية لم تولد بعد.
نظر إليها راغب طويلاً وقال بهدوء:
— "أنتِ صامتة أكثر من المعتاد اليوم."
ابتسمت بخفة:
— "أحيانًا… تمرّ علينا لحظات نكتفي فيها بالصمت والنظر. فهناك في القلب حديث أخرس لا تصفه الحروف."
لم يُجادلها. كان يفهم. وهذا الفهم وحده كان خطرًا، لأنه جعلها ترغب في الاقتراب أكثر.
ولكن شيئًا ما تغيّر في تلك اللحظة.
نظراته لم تكن هي نفسها، صمته لم يكن مريحًا كما كان. شعرت كأن فجوة صغيرة تتسلل بينهما، فجوة لا تعرف إن كان الوقت قادرًا على سدها.
ذلك اليوم انتهى بشكل عادي، لكنه ترك أثرًا غير عادي في قلبها.
الفصل الرابع - الكبرياء الذي يطحن
أيام قليلة مرّت، كانت ريماس تفتقده دون أن تعترف بذلك حتى لنفسها. حاولت الانشغال بعملها، بالقراءة، بالمسلسلات، بأي شيء قد يلهيها. لكن بعض القلوب لا يشتتها شيء، بل تتمسك بما تحب أكثر كلما حاولت الهرب منه.
كانت تريد أن تكتب له:
"أين أنت؟ لماذا تغيّرت؟ هل فعلت شيئًا؟ هل شعوري أصبح يزعجك؟"
لكن…
كلما وصلت يدها إلى الهاتف، تذكّرت:
الكبرياء لا يسمح لها.
ذلك الكبرياء الذي كان يظنّه الآخرون قوة، بينما هو في الحقيقة قيدٌ لا يُرى.
الفصل الخامس - مواجهة غير مكتملة
ذات مساء، قررت ريماس أخيرًا أن تواجه خوفها. كتبت رسالة قصيرة:
"ممكن نتكلم؟"
وبعد دقيقة…
وصل الرد:
"أكيد… خير؟"
ردّ طبيعي. بسيط. لكن قلبها بدأ ينبض بشدة، كأنها في بداية اعتراف كبير.
التقيا في المقهى المعتاد.
راغب جلس أمامها، مبتسمًا كما يعرفها دائمًا.
وهي… كانت تحاول تنظيم الأفكار التي تبعثرت داخلها منذ أسابيع.
تنفست بعمق:
— "أريد أن أفهم فقط… هل حدث شيء بيننا؟ أشعر بأنك أصبحت بعيدًا."
نظر إليها طويلاً، ثم قال:
— "أنا ما بعدتش. لكن حسّيت إنك بتبعدي. كأنك بتهربي من حاجة."
لم تتوقع إجابته. اعتقدت أنه هو البعيد، لتكتشف أن المسافة لم تكن من طرف واحد.
— "أنا… خايفة."
— "منّي؟"
— "من كل شيء."
ابتسم بحزن:
— "لو سمحتيلي أكون جنبك… هتخافي أقل."
لكنها لم تجبه. صمتت.
وذلك الصمت… كان بداية الانهيار.
الفصل السادس - حين يصبح الصمت جدارًا
لم يقل أحدهما شيئًا بعد ذلك. الكلمات كانت تُولد ثم تموت قبل أن تصل إلى الشفاه.
وأدرك كل واحد منهما حقيقة مؤلمة:
أحيانًا الصمت لا يحمي… بل يقتل.
مرت الأيام، وأصبح تواصلهما أقل. ليس لأن أحدهما أراد الرحيل، بل لأن الخوف كان يتكفل بالبناء التدريجي للمسافات.
الفصل السابع - علوّ النفس وسط الانكسار
ريماس كانت تتألم… لكن بصمت.
تبكي… لكن بصمت.
تشتاق… لكن بصمت.
كانت تقول لنفسها:
"هذه القلوب متألمة، ولكنها شامخة بعزة النفس… عالية."
ورغم اشتياقها إليه، كان كبرياؤها يمنعها من أي خطوة.
ورغم وعيه بما تشعر به، كان كبرياؤه يمنعه من كسر المسافة.
هكذا كانت النهاية المتوقعة بين قلبين، كل منهما يخاف أن يبدأ… حتى انتهت الحكاية دون بداية حقيقية.
الفصل الثامن - رسالة لم تُرسل
وفي ليلة هادئة، جلست ريماس أمام نافذتها كما في البداية. كتبت:
"كنت سأحبك بطريقة لم تعتد عليها. كنت سأحميك من نفسك، ومن حزنك، ومن خوفي. كنت سأمنحك كل ما لم أمنحه لأحد. لكنك لم ترَ… ولم أستطع أن أقول. لذلك انتهينا كما بدأنا… بصمت."
ثم أغلقت هاتفها…
دون أن تضغط "إرسال".
تمامًا كما اعتادت.
الفصل التاسع - بداية جديدة بصمت مختلف
مرت شهور، تغيّر فيها كل شيء.
لم تعد ريماس تلك التي تخاف.
ولم يعد راغب ذلك الذي يصمت.
التقيا صدفة بعدها.
نظرة واحدة كانت كافية ليشعر كل منهما بالحنين الذي لم يمت.
لكن… لم يُحرك أحدهما ساكنًا.
مرّا بجانب بعضهما كغريبين…
لكن داخل كل واحد منهما، كان الصمت يصرخ:
"أنت كنت… وما زلت."
ومع ذلك، لم يعُد أحد منهما كما كان.
لقد تعلّما شيئًا واحدًا:
ليست كل المشاعر التي لا تُقال تُنسى… بعضها يظل حيًا، لكنه لا يعود إلى الحياة مرّة أخرى.
وهكذا…
انتهت القصة كما بدأت:
بحبّ لم يُكتب،
وصمتٍ قال كل شيء.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.