قصص وحكايات

قصيدة عن الرحيل الراقي ووداع القلوب بسلام

رحيلٌ يشبه اللمسة الأخيرة على طرف القلب… كلماتٌ تتمهّل لتروي كيف يصبح الوداع فنّاً راقياً، وكيف يتحوّل الألم إلى ذكرى جميلة لا تُنسى.

قصيدة عن الرحيل الراقي ووداع القلوب بسلام

في هدوء المساء، حين يبرد صوت الأشياء،
ويتكوّم الحنين في زوايا الروح كغيمةٍ تبحث عن مطر،
أجلسُ أمام نافذةٍ تعرفُ أسراري أكثر مما يعرفها البشر،
أحدّثها عن الطرق التي نمشيها،
وعن القلوب التي نغادرها بوجعٍ أو بسلام،
وعن الذين يأتون إلينا صدفة،
ثم يرحلون من حياتنا درساً لا يُنسى.

ولأنّي تعلّمتُ أن الرحيل فنّ،
وأن الوداع ليس صفعةً بل أثر،
أتذكّر تلك العبارة التي كانت صدى حكمةٍ علّمتني الكثير:
"لو أردت الرحيل إرحل من حياة الأشخاص بأناقة"
فالأناقة هنا ليست ثوباً،
وليست كلمةً منمّقة،
بل هي طريقةٌ تحفظ لك صورتك في الذاكرة دون شوائب،
وتمنح الآخر ما يستحق من احترام،
لأن القلوب ليست ساحات معارك،
ولأن الشعور حين يُكسر لا يُرمّم كما كان.

كنتُ أقول لنفسي دائماً:
إن للغياب أبواباً،
منها من يُفتح بصوتٍ عالٍ يشبه الارتطام،
ومنها من يُغلق بهدوءٍ يشبه يد أمٍّ ترتّب فراش طفلها قبل النوم،
وأنا كنتُ من المؤمنين بالباب الثاني،
ذلك الباب الذي يترك خلفه سلاماً،
ويحمل معه امتناناً لا غضباً.

ولهذا كنتُ أردد مع القلب قبل العقل:
"ولا تنزع حبّك من قلوبهم ببشاعة"
لأن البشاعة طعنٌ لا يليق بإنسانٍ شاركك ضحكة،
ولا بعمرٍ مرّ من خلالك،
ولا بحلمٍ كان ذات يوم مشتركاً بينكما.
كيف يُنتزع الحبّ؟
هل يُقتلع من الجذور؟
أم يُترك ليذبل بكرامة؟
كنتُ أؤمن أنّ الرحيل ليس قسوة،
بل هو حين يتمُّ بإنسانية… يصبح شكلاً آخر من أشكال الوفاء.

أحياناً نمضي،
ليس لأن القلب جفّ،
بل لأن المسافة اتّسعت،
والتعفّف كان الطريق الوحيد لنجاة الطرفين.
ومع ذلك يتردّد الصوت في داخلي:
"لأن المواقف تعيش بالذاكرة أكثر من الأسماء"
فالأسماء تُنسى،
تتبدّل،
تتكرر،
أما المواقف… فهي وشمٌ لا يُمحى،
تسكن في الطرقات التي مشيتها،
وفي الأغاني التي كنتَ تسمعها،
وفي الأماكن التي لم تعد كما كانت بعد رحيل أحدهم.

كم مرة قلتُ للقلب:
اهدأ…
التسامح أنبل من الحقد،
والذكرى الجميلة أرحم من ندبةٍ لا شفاء لها.
وكم مرة نظرتُ خلفي وابتسمت،
ليس لأن الحنين انتصر،
بل لأنني تركتُ مكاناً كما وجدته…
بلطف،
وبرقيّ،
وبقلبٍ يشكر قبل أن يلوم.

وفي كل مرة كنتُ أستجمع فيها شجاعتي لأبتعد،
كنتُ أضع وردة،
ولو كانت رمزية،
عند عتبة الوداع،
وأقول:
"حاول أن تترك وردةً بدلاً من جرح"
فالجرح باقٍ…
ليبقى،
والوردة تذبل،
لكن أثرها الطيّب يسبق موتها.

تعلّمت أن أُكرم القلوب لا الأشخاص فقط،
أن أحفظ ذكريات البيوت التي استضافت روحي،
أن أقول شكراً للذي أحبّني بطريقةٍ ناقصة،
وغفراناً للذي علّمني كيف أكون أقوى.
ولهذا كنت أردد في داخلي:
"وأكرم قلباً كان يوماً موطنك"
فالمواطن لا تُهدم،
حتى وإن لم تعد صالحة للسكن،
تبقى جزءاً من تاريخك،
وطريقاً مررت به لتصل إلى ما أنت عليه الآن.

ولأنّ الحبّ رغم فوضاه، يحمل في عمقه رقّة،
كنتُ أقول:
كيف لي أن أكره من أحببت؟
كيف لي أن أتمنى له ألماً حتى وإن أدمى قلبي؟
وكان الجواب يأتيني خافتاً:
"فـ مهما كرهت من كنت تحب، فإنك لا تستطيع أن تراه يتأذى"
وهكذا يبقى النبل أقوى من الكراهية،
يبقى الخوف على الآخر أكبر من الغضب،
ويبقى الإنسان إنساناً مهما تغيّرت الطرقات.

في النهاية،
يبقى الفراق قراراً لا بدّ منه حين يصبح البقاء عبئاً،
وحين يصبح الحبّ محاولة إنعاش لا أمل فيها.
لكنني كنتُ وما زلتُ أؤمن أن الجمال ليس في اللقاء فقط،
بل في الطريقة التي نغادر بها،
في الهدوء الذي نتركه خلفنا،
وفي الاحترام الذي لا نسحبه حتى عند الانكسار.
ولهذا قلتها لنفسي ولمن أحببت يوماً:
"ليكن فراقك جميلاً كقربك"
فالأثر هو ما يبقى،
والضمير هو ما ينام معنا آخر الليل.
وإن كان الرحيل قدراً…
فليكن بالشكل الذي يطوّب القلب،
لا الذي يكسّره.

وهكذا كتبتُ قصتي في صفحات العمر،
بكلماتٍ لا تبحث عن بطولات،
ولا تنتقم،
بل تمضي بثقة،
وتُطفئ مصابيحها بهدوء،
وتترك الظلال كما وجدتها،
لا تزيدها سواداً ولا تشوّهاً.
فالحياة قصيرة،
والقلوب أثمن من أن نكسرها،
والرحيل حين يأتي…
فليكن رقيقاً،
فاضلاً،
لا يجرّ خلفه ألماً،
بل يترك شيئاً من الامتنان…
وشيئاً من النقاء…
وشيئاً يشبه وردةً على حافة الوداع.

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.