تغوص هذه القصيدة في أعماق الحزن والصراع، حيث يواجه القلب أمواج الحياة العاتية، ويصر على المقاومة رغم الألم والخيانة. رحلة من الغرق إلى الصمود والإصرار على النهوض.
غويط بحرك، يا دنيا كبيرة،
وكل موجٍ فيك ينهشُ الروحَ بلا تأنيب.
يا زمنًا كُسِرت فيه أشرعةُ قلبي،
وعمرًا لم يقُم لك قومه،
ظلّت أيامي تُجرّفني في أعماقك،
كما يُجرّف الطوفانُ السفنَ الضائعة،
ولا يرفّ جفنٌ لمن وقع في غمراتكَ.
وأنا المظلوم، يا أيها البحر،
كلما حاولت أن أقف،
أجد الحياةَ تُخادعني وتلوّح لي بخديها المظلم،
تجرفني في بحر الهموم،
وأنا أغرق بلا مرساة،
ولا أعلم من أين أبدأ العوم،
ولا كيف أقاوم الموج،
فكأن كل مجدافي قد انكسرت،
وكل ما في يدي قد ذاب كالرمل في شمسك الحارقة.
أشب أغطس، أعوم، أفطس،
وكلما حاولت استجماع قوتي،
يأتي الموج من جديد،
يغطسني في الظلام،
ويعيدني إلى أعماقٍ لم أعرفها من قبل،
ولا يهم، ما أنا إلا إنسانٌ عابر،
وإن ضاع مني الطريق، فلستُ بما هو الأسوأ.
ولو ذهبتُ بلا عودة، ببلاشٍ كالريح،
فلستُ بحاجةٍ إلى مرسى في دنياك،
فكل محاولة للاستقرار،
يأتي الموج ليجرفني بعيدًا،
ويتركني بلا أي شراعٍ ألوذ به.
ومنذ البداية لم أحسب حساب هذا اليوم،
وكان الليل طويلًا،
يحمل كل ألمٍ وكل جرح،
أصرّ على البقاء والتمدد في صدري،
أبكي، وأئن، وأستغيث بصوتٍ لا يسمعه أحد،
وأتساءل متى يتحوّل الحزن إلى فرح،
متى تشرق الشمس على روحي المظلمة،
وتعيد لي ذاك الأمل الذي فقدته بين أمواجك،
يا موج البحر، يا قلبًا شديد العلو،
تأخذ كل شيءٍ غالٍ،
وتعيدنا دائمًا إلى حيث بدأنا،
في أيدي غيرنا، تكفننا بلا رحمة،
ولا تترك لنا سوى صدى الذكريات المرّة،
التي تتحوّل إلى جراحٍ تتوسّع كلما حاولت أن أنسى.
خلاص، يا دنيا، قد انتهى الأمر،
لم نعد بحاجة إلى روحٍ أخرى،
فالروح فينا قد استنزفت،
والأمل قد تلاشى في أعماقك،
يا موج البحر، يا مغوار،
وفيك أسرارٌ لا تُحصى،
مختبئة بين طيات أعماقك،
تختبئ في جمالك الخلاب،
كما يختبئ القمر خلف الغيم،
وقلبي طرق الأبواب مراتٍ ومرات،
يبحث عن مخرج، عن فسحةٍ صغيرة،
لكن لم يأتِ شيء، ولم أجد سبيلًا للخلاص.
أغرق، أسبح، أبحث عن منفذ،
وكل مرة أجد نفسي محاصرًا بالموج،
وأدرك أن الحياة فيك يا دنيا،
ليست إلا تحديًا لا ينتهي،
كلما حاولت أن أتنفس،
يدخل الموج من جديد،
يأخذ ما تبقى من قوتي،
ويتركني عاريًا أمام عواصفك،
أكابد الرياح،
أقاوم الأمواج،
وأصرّ على المضي رغم كل شيء،
فأنا ما أسوأ، وما أضعف،
ولا أزال أملك ما يكفيني لأقاوم.
أحيانًا، أرى الحياة كلوحةٍ ملونة،
لكنها لوحةٌ ملوّنة بالدموع والخيبة،
أحاول أن أضبط الإبحار،
أن أحكم على كل موجةٍ،
أن أتحكّم في كل تيارٍ،
لكن دون جدوى،
فالتيار أقوى مني،
والبحر أكبر من طاقتي،
ويستمر في جرّي،
يدفعني إلى حيث لا أريد،
إلى حيث تغيب الشمس،
ويحل الليل الطويل،
أبكي، أئن، وأستسلم للحزن،
أغرق في بحرٍ لا يعرف الرحمة،
أحاول أن أقاوم،
لكن كل مقاومة تذهب أدراج الرياح.
يا موج البحر، يا مغوار،
تخبئ في قلبك أسرارًا عظيمة،
تخفيها بين أعماقك المظلمة،
وتهتز قلبي كلما اقتربت منك،
أطرق الأبواب، أبحث عن منفذ،
لكن لا شيء يخرجني،
أغرق، أسبح، أفطس،
ولا يهم، فما أنا إلا إنسان،
يحاول أن يجد مكانًا بين أمواجك،
ويحلم بالاستقرار،
لكنك يا دنيا، لا تعرفين الاستقرار،
ولا تعرفين الرحمة،
فكل شيءٍ غالٍ تأخذينه،
وترجعينه إلى من لم يستحق.
أغرق، أسبح، أعود وأغرق،
ولا أزال أصرّ على المقاومة،
لأني أعلم أن في نهايتي قوةً جديدة،
وأن الفجر سيشرق،
حتى لو تأخر،
وحتى لو طال الليل،
فالأمل باقٍ،
والقلب ما زال يطرق أبواب النجاة،
رغم كل شيء، رغم كل موجة،
رغم كل جرح، رغم كل دمعة،
أغرق، أسبح، وأصرّ على العوم،
ولا يهم، فقلبي ما زال صامدًا،
وما زال يملك القدرة على الحب،
على الكفاح، على المقاومة،
حتى لو كانت الحياة موجةً عاتية،
تغرقني بلا رحمة،
وتترك قلبي يئن في صمت.
أغرق، أسبح، أغطس، أفطس،
وما زلت أحاول،
وأدرك أن قوة الإنسان لا تأتي من الراحة،
بل من المقاومة،
من القدرة على الوقوف رغم كل شيء،
رغم كل موجة، رغم كل حزن، رغم كل خيانة،
وأعلم أن الحياة في النهاية ستعيد لي كل ما أخذته،
وأن قلبي سيجد منفذًا بين أمواجك،
ويعود ليحيا بحرية،
حتى لو طال الطريق، حتى لو اشتدت الرياح،
فالقوة الحقيقية في الصمود،
وفي الحب، وفي القدرة على النهوض من جديد.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.