قصص وحكايات

الوردة التي تحيي الروح

لحظة واحدة كفيلة بإعادة الضوء إلى قلبٍ أرهقه الحزن…
وردةٌ تميل، ورجلٌ ينحني، وامرأةٌ تستقبل بدايةً لم تكن تتوقعها.
هنا تبدأ الحكاية…
الوردة التي تحيي الروح

على رصيفٍ ضاقَ بالعابرين،
كنتِ تجلسين كأنّ الصمتَ يحرسكِ من العالم،
ووجهكِ يُنصت لشيءٍ لا يسمعه سواكِ،
شيءٍ ينساب في داخلكِ
كجدولٍ يبحث عن ضوءٍ لم يجده بعد.

ارتخت أناملكِ فوق ثوبكِ الأسود،
ذاك الثوب الذي لم يكن حِدادًا،
بل كان ظلًّا طويلًا
يحاور شحوبكِ برفقٍ وحزنٍ ووقار،
ويحاول أن يخفي خلف سواده
ارتعاشة الروح حين تُبعثرها الخيبة.

كان الشارع ممتدًّا خلفكِ
كقصةٍ طالَ فيها الانتظار،
والأبواب الخشبيّة
تتأملكِ بعيونٍ صامتةٍ
كأنّها تحفظ في الذاكرة
خطوات أحلامٍ مرّت هنا ذات يوم
ثمّ توارت خلف ضبابٍ بعيد.

على الأرض، إلى جانب قدميكِ،
نامت ثلاث ورداتٍ ذابلات،
وكأنها انعكاسٌ حزين
لثلاث خيباتٍ مرّت بقلبكِ
وتركتهُ يتهدّل كغصنٍ
أثقلته الريح.

وحين اقترب هو…
لم يقترب كما يفعل الناس،
بل اقترب بخطى يقودها القَدَر،
كأنّه يسمع في صمتكِ نداءًا
لم يلفظه لسانكِ بعد،
ويرى في حزنكِ
نافذةً تستدعي الضوء.

انحنى نحوكِ،
لا انحناءةَ مجاملة،
ولا انحناءةَ شفقة،
بل انحناءةُ قلبٍ أدرك
أنّ بعض الأرواح
لا تُلمس إلا بلطفٍ شديد
كيلا تنكسر.

كانت الوردة الحمراء
بين أصابعه
كجملةٍ تُقال لأول مرة،
جملةٍ تختصر اعتذار العالم لكِ،
وتُعلن أنّ الحنان ما زال موجودًا،
وأنّ القسوة
لم تنتصر بعد.

أراد أن يهمس،
لكنّ صوته اختار أن يبقى خلف شفتيه،
فالكلمات كثيرًا ما تخذل اللحظات،
أما الصدق
فقد كان ظاهرًا في عينيه
كوضوح الفجر
حين يمحو آخر ظلٍّ للظلام.

تردّدتِ في النظر إليه،
كأنّك تخافين
أن ترى أملاً جديدًا
فيعيد جراحكِ إلى السطح،
لكنّكِ رفعتِ عينيكِ أخيرًا
لتجديه واقفًا أمامكِ
كمن وجد شيئًا ثمينًا
كان يبحث عنه طويلًا.

كان في هيئةِ وقوفه
طمأنينةٌ لا تُحاك،
وكان في ملامحه
هدوءُ رجلٍ يعرف كيف يحمي،
وكيف يقترب دون أن يَجرح،
وكيف يمسك وردةً
كما لو أنه يمسك قلبًا.

قالت يداه قبل صوته:
"خذيني كما تأخذ الروحُ نسيمًا
بعد تعبٍ طويل."
وقال قلبه قبل أن ينبض الكلام:
"لستِ وحدةً تمشي في ليلها…
سأكون خطوتكِ التي لا تخاف."

وكم كانت تلك اللحظة
أشبه بقطرة ضوءٍ
سقطت على صدرِ ليلٍ كثيف،
لحظةٌ انفتح فيها بابٌ
لم يكن يظن قلبكِ
أنه سيفتح من جديد.

ومضت دمعةٌ من عينيكِ،
لم تكن هزيمة،
بل كانت اعترافًا لطيفًا
أنّ الروح مهما تعبت
لا تستطيع أن ترفض يدًا
تُمدّ إليها بعطف.

مددتِ يدكِ نحو الوردة،
وبين أناملكِ
ارتجف شيءٌ لم تعرفي اسمه،
ربما هو خيطُ ثقة
عاد بعد طول غياب،
وربما هو قلبُ امرأة
فهم أخيرًا
أنّ الحنان
قادرٌ أن يكون خلاصًا.

وحين لامست أصابعكِ أصابعه،
شعرتِ أنّ في الحياة
مساحةً للدفء،
ومساحةً أخرى
لكي تبدأ الحكايات من جديد،
ولو من وردةٍ واحدة
تبدو ضئيلة،
لكنّها تحمل في داخلها
نبضًا واسعًا
كالحبّ حين يُولد.

نهضتِ ببطء،
فلم تعد الأرضُ
ثقلًا على قدميكِ،
ومشى هو بجانبكِ
كأنّ الشارع
اتسع ليمنحكما طريقًا مشتركًا،
طريقًا يشبه بدايةً
كتبتها يدٌ خفيّة
تدرك أسرار القلوب.

كان الهواءُ
يمشط خصلات شعركِ،
وكان الضوء
يلثغ فوق وجنتيكِ،
وكان هو
يمشي إلى جواركِ
كأنّه يكمّل سطرًا
لم تجرؤي أن تكتبينه وحدكِ.

وهكذا…
من زاويةٍ ضيّقة
ولحظةٍ ناعمة
ووردةٍ واحدة
وُلد شيءٌ أكبر من اللقاء،
ولدت حياةٌ جديدة
لم تكن محسوبة
في دفاتر الحزن،
لكنّها جاءت
كما يأتي الربيع
إلى أرضٍ ظنّت أنها لن تُزهر من جديد.

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.