في هذه القصيدة تنساب المشاعر كضوء خافت يعبر الأرواح قبل الملامح، لتصوغ حكاية عن كلماتٍ أحببناها دون كاتب، وأرواح لامستنا دون وجه، ومحبة تبقى أثرًا لا يزول.
يا لَغُرابةِ الطُّهرِ حينَ يَمُرُّ كنسمةٍ
لا نعرفُ من أينَ أتى… ولا كيفَ دخلَ أرواحَنا،
لكنَّهُ يتركُ على أبوابِ القلبِ رائحةَ البقاء.
فهناكَ أرواحٌ نلتقي بها دونَ أن نرى ملامحَها،
تمسُّنا من حيثُ لا ندري،
وتفتحُ لنا نوافذَ الدفءِ في عزِّ برودةِ الأيام.
نَمشي في دروبِ العمرِ،
فتلتصقُ بنا كلماتٌ لا نعرفُ كاتبَها،
لكنَّها تهدهدُ وجعًا،
وتُسكتُ في أعمقِنا صخبًا،
وتُعيد ترتيبَ الفوضى التي كانت تسكنُ خلايانا.
نُحبُّ كلمات مست قلوبنا دون أن نعرف كاتبها،
كأنَّها جاءت من غيمةٍ
لم تقلْ لنا من أيّ سماءٍ وُلدت…
لكنَّ القلبَ يصدِّقُ الندى،
ولا يسأل الغيمَ عن اسمه.
وتأتي اللحظاتُ التي نبكي فيها
معَ عيونٍ لم نرَها،
نتأثّرُ بأنينٍ بعيدٍ
كأنّهُ يخصُّنا،
ونحملُ في صدورِنا وجعًا
لا ندري كيفَ وصل إلينا،
لكنّ الروحَ تعرفُ الروح،
وتسندُها وإن لم تلمسْ كفًّا لها.
ونفرحُ — نعم، نفرحُ —
لفرحِ قلوبٍ
لم تُصافحها أعينُنا يومًا،
لكنَّ بسمتَها نُثرت حروفًا في طريقنا،
فأضاءت شيئًا خامدًا في صدورِنا،
وأطلقت عصافيرَ صغيرة
كانت تجهلُ كيفَ تعود للطيران.
وقد نفرح لقلوب نثرت بسمتها أحرفًا
لأنّ الفرحَ لا يحتاجُ وجهًا كي نراه،
بل روحًا كي نُدركه.
هكذا خُلِقَت الأرواحُ،
تقتربُ قبلَ الأجساد،
وتعانقُ قبلَ اليدين،
وتسكنُ قبلَ أن تُعرِّفَنا على تفاصيلها.
وبينَ الوجعِ والفرحِ
تبقى هناك مساحةٌ سرُّها لا يُفهم،
ولا يُقال،
يسكنُها شيءٌ يشبهُ الأمان.
ولهذا…
يبقى احترامُ الروحِ أسمى عناوينِ المحبّة،
لأنَّ الأرواحَ هي التي تتلاقى أولًا،
وتعرفُ نبضَها قبل الأسماء،
وتصدِّقُ أثرَها قبلَ الكلام،
فلا تكذبُ على نفسها،
ولا تخونُ ما شعرت بهِ لحظةَ اللقاء.
نحترمُ الروح
حينَ نتركُ لها الحريةَ أن تأتي،
وحينَ ندعُوها لتبقى بلا قيد،
وحينَ نفهمُ أنَّ سموَّها
لا يقاسُ بوجهٍ،
ولا يُختصرُ بخطٍّ من ملامح،
بل يُقاسُ بما تتركهُ فينا
من صدقٍ،
ومن دفءٍ،
ومن نورٍ لا يبهت.
قد نلتقي بأرواحٍ
هي لنا أكثر مما ظننّا،
وأقربُ إلينا مما ظنّ الظنُّ،
وأشدُّ أثرًا من كلِّ الوجوهِ التي عرفناها وجهًا لوجه.
أرواحٌ لا تحتاجُ صورةً
كي تُقنعنا بوجودها،
ولا تحتاجُ حضورًا جسديًّا
كي تهزَّ وجدانَنا،
لأنَّ حضورَها في القلب
أعمقُ من الخطوات،
وأصدقُ من العيون.
كم من روحٍ
وقفت إلى جانبِنا
ونحن لا نعرفُ حتى ملامحَها!
كم من كلمةٍ
رفعتنا من الرماد
ونحن لا نعرف بصمةَ صاحبِها!
كم من نبضٍ
شاركنا دمعَنا،
ومسحَ شيئًا من الحيرة عنّا
وهو لا يعرفُ من نحن ولا أينَ نسكن!
وهكذا تستمرُّ الرحلةُ…
فنلتقي،
ونتأثّر،
وننحني احترامًا لتلك الأرواح
التي مرّت بنا مرورًا ناعمًا
لكنَّها غيَّرت فينا الكثير.
فنكتبُ عنها،
ونشتاقُ إليها،
ونُبقي في قلوبنا مقعدًا
لا يجلسُ عليه سواها،
ونُدركُ في النهاية
أنّ العالمَ مهما اتّسع
لا يضيقُ بروحٍ تعرفُ كيف تُحبّ،
ولا يختنقُ بقلبٍ يعرفُ كيفَ يحفظ.
ويبقى السؤالُ الذي لا نحتاجُ له جوابًا:
هل كانت تلك الأرواحُ قدرًا،
أم مرآةً لشيءٍ فينا،
أم هديةً من الفضاء؟
لا نعلم…
لكنّنا نعلمُ أنّ الأثرَ الصادق
لا يجيءُ عبثًا،
ولا يغادرُ دونَ سبب،
ولا يُنسى مهما تغيّرت الفصول.
فيا أيّتها الأرواحُ التي أحببناها
من حيثُ لا ندري،
وأمسكَت بقلوبِنا
من غيرِ أن ترى وجوهَنا…
تَبقَينَ فينا،
وتبقَى محبتكنَّ
سفرًا لا يُغلق،
وخيطًا يمتدُّ بين عالمين:
عالمٍ نلمسُه،
وعالمٍ لا نراه
لكنّه يسكنُنا.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.