في قلب قرية فلسطينية قديمة، تستعيد حفيدة دفء جدتها وصوت التنور، فتكتشف أن الحنين ليس للمكان فقط، بل لمن جعل المكان وطنًا للروح.
كان في قديم الزمان، قبل أن تتغير الملامح وتذوب الحجارة في غبار المدن، قرية صغيرة تتكئ على سفح جبلٍ في فلسطين. البيوت من طينٍ وسقفها من القش، والريح تمرّ بينها كأنها تهمس بسرّ قديمٍ لا يعرفه إلا من وُلِد هناك.
كنتُ يومها طفلة، أركض بين الزقاق الضيّق حافية القدمين، أتعثر بالحجارة ثم أضحك، لأجد جدّتي تناديني من بعيد بصوتٍ يختلط بين العتاب والحب:
"يا بنتي، تعالي عند التنور، الخبز استوى، والدنيا برد."
كانت جدّتي أم خليل تشبه الحكايات القديمة نفسها. وجهها محفور بالتجاعيد كخريطةٍ صغيرة لفلسطين، ويديها متشققتان من الطين والعجين، لكن في كل تشقّق حكاية، وفي كل حكاية دفء.
كانت تقول دومًا:
"يا ستي، اللي ما شكر النعمة، راحت منه قبل ما يشعر فيها. واللي ما حنّ لأرضه، ما بتحنّ له الأرض."
أجلس قربها عند التنور، أراقب النار وهي تلتهم الخشب ثم تخرج من فمها ألسنة لهبٍ كأنها تغني. رائحة الخبز كانت تملأ المكان، تمتزج بدخان الزيتون وبرائحة التراب الرطب، فأشعر أن العالم كلّه في تلك اللحظة يدور حول رغيفٍ خرج تواً من يد جدّتي.
كانت تضع الخبز على قطعة قماشٍ بيضاء، وتنظر إليّ بعينيها اللتين يشعّ منهما نور الطيبة، وتقول مبتسمة:
"الخبز يا ستي مثل الناس، فيهم اللي يحترق بسرعة، وفيهم اللي يصبر حتى ينضج، والمهم يا بنتي إن القلب ما يكون نيًّا."
ضحكتُ يومها ولم أفهم. كنت أظنها تمزح. لكن كلما كبرت، أدركت أن خبزها لم يكن مجرد طعام، بل درسٌ في الصبر والكرامة.
كانت جدّتي تستيقظ قبل الفجر، تملأ السطل من البئر، وتقول وهي ترفع الماء بكل عناء:
"الماء من الأرض، والرزق من السماء، وبينهم قلب الإنسان، هو اللي بيوصل الخير."
كم كانت عظيمة تلك المرأة، رغم بساطتها. لم تكن تعرف القراءة ولا الكتابة، لكنها كانت تعرف اللغة التي لا تُكتب — لغة القلوب. كانت تزرع كل شيء بيديها: القمح، الزعتر، الورد البلدي. وحين تسقي الزرع، تهمس له:
"كبر يا زرعي مثل ما كبر ولدي في حضني."
كنت أراقبها بدهشة، وأسألها:
– "ستي، ليه بتحكي للنبات؟"
فتضحك وتقول:
"يا روحي، الكلمة الطيبة بتسقي مثل المطر، والزرع بيحس، واللي ما عنده إحساس ما بيعيش."
كانت جدّتي لا تملّ الحكايات. عند المساء، حين يهدأ كل شيء، كانت تجلس على المصطبة، وتبدأ حديثها:
"كان في قديم الزمان..."
وهكذا كنت أدخل معها إلى عوالمٍ أخرى: قصص عن الجدود، عن الزيتون اللي لا يموت، عن المطر اللي يحمل البركة، وعن الناس اللي كانوا يعيشوا على القليل ويرضوا بالكثير.
ذات ليلة، سألتها:
– "ستي، شو يعني الوطن؟"
فأجابت بصوتٍ خافت، وكأنها تخاطب نفسها:
"الوطن يا بنتي مش بس أرض، الوطن هو ريحة الخبز أول ما يطلع من التنور، هو دعوة الأمّ في الفجر، هو الدار اللي لو بعدت عنها، بتبقى تسكنك."
مرت الأيام، وكبرتُ، وصار التنور يبرد شيئًا فشيئًا. جدّتي لم تعد تقوى على حمل الحطب، لكنها كانت تصرّ أن تراقب النار بعينها، وكأنها تتفقد قلبها. كانت تقول لي:
"النار يا ستي مثل العمر، بتدفّي إذا عرفنا نحافظ عليها، وبتحرق إذا نسيناها."
وفي صباحٍ من صباحات الربيع، جلستُ بجانبها وهي تفرز القمح بيديها، سألتها:
– "ستي، بتحبي القمح أكثر ولا الزيتون؟"
ضحكت وقالت:
"بحبهم التنين يا ستي، القمح بيشبع البطن، والزيتون بيشبع الروح، والاثنين من تراب واحد، من أرضنا المباركة."
كانت الجدة تؤمن أن كل شيء في الحياة له وقت، وأن الله يخبئ الخير في أبسط الأمور. كانت تقول دائمًا:
"ما في وجع إلا وراه راحة، ولا ضيق إلا وراه فرج، المهم نصبر ونحمد."
ثم تمد يدها لتلمس شعري وتقول بابتسامةٍ دافئة:
"يا ستي، خليكِ دايمًا مثل حبة القمح، صغيرة بس بتعطي خير كبير."
وفي تلك اللحظات، كنت أظن أن العالم لا يمكن أن يتغير أبدًا، وأن الجدة ستبقى للأبد قرب التنور، وأن القرية ستظل كما هي: البيوت من طين، والدجاجات في الساحة، وصوت المؤذن يرتفع من المئذنة الصغيرة وقت الغروب.
لكن الزمن — كما النار — يأكل كل شيء ببطء.
رحلت جدّتي في صباحٍ صامت، كأنها اكتفت من الدنيا وتركت لنا دفئها في رماد التنور.
ذلك اليوم، شعرت أن القرية كلّها صارت أهدأ، كأن الطيور حزنت، وكأن الخبز فقد طعمه.
مرت السنوات، وكبرتُ، وغادرت القرية إلى المدينة.
لكن في كل مرة تهطل فيها الأمطار، تعود إليّ الرائحة نفسها: مزيج التراب والخبز والدخان.
أغمض عينيّ، فأراها جالسة أمام التنور، تلوّح بيدها وتقول لي:
"يا ستي، لا تنسي، اللي بينسى أصله، بيضيع مثل القمح اللي ما نزرعوه."
وهكذا كنت أعود إليها كل مرة، بالكلمات والذاكرة.
كنت أزور البيت القديم، أفتح باب الحوش المتهالك، وأجلس أمام التنور البارد.
المكان تغير، لكن الروح ما زالت هناك.
لم يبقَ من الجدة إلا عباءتها المعلّقة خلف الباب، وبعض الحصى الصغير الذي كانت تضعه لتثبّت القدر فوق النار.
جلستُ يومًا قرب التنور أُقلّب الرماد، فوجدت قطعة صغيرة من الحديد كانت تستخدمها في إشعال النار. أمسكتها كأنني وجدت كنزًا، وابتسمت.
سمعت صوتها في قلبي يقول:
"يا ستي، النار اللي بنورها وجهك يوم صغير، هي نفسها بتعيش فيكِ اليوم، لا تطفئيها بالنسيان."
ومن يومها، صرت أُشعل التنور في بيتنا الجديد كلما اشتقت إليها.
صرت أخبز بيدي، وأردد كلماتها، وأعلّم أطفالي أن الخبز ليس مجرد طعام، بل حكاية تبدأ من الأرض وتنتهي في القلب.
وحين يسألني ابني الصغير:
– "ماما، مين علمك هيك؟"
أجيبه مبتسمة:
"ستي أم خليل، كانت تحب الحياة البسيطة، وتقول: اللي يعيش بالحب، ما بيحتاج كثير."
في كل مرة أنظر فيها إلى النار، أشعر أنها تنظر إليّ أيضًا.
ربما لأن الجدة لم تمت فعلاً، بل انتقلت إلى مكانٍ آخر من القلب، حيث تبقى الحكايات حيّة.
ومع مرور الوقت، أدركت شيئًا كانت جدّتي تقوله دائمًا:
"يا ستي، ما في شي بيروح من غير أثر، حتى الرماد بيترك ريحة."
وهكذا بقي أثرها فيّ، في صوتي حين أتكلم، في يديّ حين أعجن، وفي قلبي حين أشتاق.
لقد علمتني أن الوطن ليس فقط التراب الذي نعيش عليه، بل الذين أحببناهم فوقه، وأن الذاكرة لا تسكن في الصور، بل في الأفعال الصغيرة التي نكررها دون أن نشعر.
كل صباحٍ، حين تشرق الشمس على نافذتي في المدينة، أبتسم.
أشمّ رائحة الخبز الذي أعدّه، وأشعر كأنني أعيش من جديد في حضن جدّتي، في تلك القرية الصغيرة، قبل أن يتغير كل شيء.
وأهمس كما كانت تهمس هي:
"يا رب، احفظ أرضنا وأهلها، وخلّي في القلب دايمًا نار ما تطفأ."

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.