كلّما اقتربتُ من دفءِ الحُبِّ،
امتدّت بيننا مسافاتُ القدرِ،
وأقسمَتِ الأيامُ ألا تُصافحَ قلبي،
ولا تُعيدَ لي طمأنينةَ النظرِ.
كأنَّ الحُبَّ — يا وجعي — يختارُ الخطأَ عمدًا،
يُرسلُ لي من يعشقُني،
حينَ أكونُ مشغولًا بغيرِه،
ويُغريني بمن أحبُّ،
حينَ يكونُ قلبُهُ في غيابٍ لا عودةَ منه.
يا لهُ من خصمٍ عنيد،
يراقصُني على أطرافِ الخيبة،
ويُرضِعُني الأملَ المسمومَ بالوداع،
ثمَّ يتركني عاريَ الصبرِ،
مُثقّلَ الخطى،
أحملُ بقايا نبضي على كتفي.
كم مرّةٍ جلستُ على مقعدِ الانتظار،
أُقَلِّبُ أسماءَ الذين مرّوا بي،
كأنني أراجعُ فصولَ كتابٍ ناقص،
كلُّ حبٍّ فيه يبدأُ بنداء،
وينتهي بندمٍ صامتٍ،
كغصنٍ انكسرَ دونَ صوت.
أحيانًا،
يأتيني من يحبُّني كما أنا،
بقلبي المرهقِ، بذاكرتي المثقوبة،
يُحبُّني دونَ شروطٍ أو عتاب،
لكنَّني لا أقدرُ على منحهِ إلّا الصمت،
ولا أُهديهِ سوى ظهرِي الباردِ،
كأنّ روحي لا تعرفُ طريقَ الامتنان.
وأحيانًا،
أجدُني أُحبُّ كما لو أنّي أخلقُ الكونَ من جديد،
أفتحُ للهواءِ نوافذي،
وأغسلُ وجهي بدموعِ الشوق،
لكنَّ الذي أحبُّهُ لا يراني،
يمشي في طُرُقٍ موازيةٍ لخطوي،
كأنَّ بيني وبينهُ حاجزَ حياةٍ لا يُرى.
يا قسوةَ القدر،
أيُّ لعنةٍ تُلاحقُ هذا القلبَ الضعيف؟
لماذا لا تكتملُ القصصُ إلا حينَ تُصبحُ رمادًا؟
لماذا حينَ أُمسكُ بالفرحِ،
يتبدَّدُ بينَ أصابعي كالماءِ؟
هل الحُبُّ تجربةٌ عمياء؟
أم هو امتحانُ الأرواحِ في الفقد؟
أم هو ساحةُ حربٍ
نخرجُ منها بلا نصرٍ ولا نجاة؟
كلُّ شيءٍ في هذا العالمِ يتّزنُ
إلّا الحُب،
يأتي ناقصًا،
ويتركُنا ناقصين.
أحببتُ يومًا امرأةً
كانت تضحكُ مثل المطر،
وحينَ أحببتُها،
أطفأتني كما يُطفأُ الجمرُ بالثلج،
قالت: «لسنا لبعض»،
قلتُ: «ومن قال إنَّ القلوبَ تعرفُ القسمة؟»
ثمّ رحلت،
وتركتني أُعاتبُ الوقتَ بدمٍ لا يُرى.
ومن بعدها،
كلُّ وجهٍ أحببتُهُ كانَ يشبهُ ظلَّها،
لكنَّ الظلالَ لا تُقبّلُ أحدًا،
ولا تُبادلُ النبض.
يا ليل،
كم منّا وقعَ في شركِ الحُبِّ مرتين!
مرّةً لأنّه أحبَّ،
ومرّةً لأنّ الحُبَّ لم يُحبَّهُ كما يجب.
أُحاوِلُ أن أُقنعَ نفسي أنّي تعلمت،
أنّي لن أُراهنَ بعد اليوم،
لكنَّني حينَ أرى نظرةً صادقة،
ينهارُ صبري كزجاجٍ قديم،
ويعودُ قلبي إلى جنونهِ الأول،
كطفلٍ يركضُ نحوَ النارِ ليعرفَ الضوء.
الحُبُّ عندي ليسَ شعورًا،
بل حربًا أهزمُ فيها نفسي،
وأُقاتلُ لأُبقي على رمقٍ من الحنين،
حتى لو نزفتُ ألفَ مرةٍ من الخذلان.
لو شاءَ القدرُ يومًا،
وجمعَ بينَ قلبينِ أحَبّا بعضَهما،
تدخّلتِ الحياةُ كعادتها،
تغارُ من اتّفاقِ الفرح،
فتزرعُ بينهما جدارًا من الغياب،
أو تُقصيهِما إلى ضفّتَينِ لا تلتقيان.
الحبُّ لا يرضى بنا،
ولا نرضى عنه،
ومع ذلك،
نعودُ إليهِ في كلِّ موسم،
كما يعودُ الطيرُ إلى عشِّهِ المحروق،
لعلَّ الرمادَ يُنبتُ جناحًا جديدًا.
يا حبّي،
يا وجعي،
يا وجهَ النقيضِ في مرآتي،
ما الذي تُريدهُ منّي؟
أما كفاكَ أنْ تركتَني نصفَ عاشقٍ،
نصفَ حائرٍ،
نصفَ حيٍّ لا يعرفُ من أيِّ بابٍ يعود؟
كلُّ ما أعرفهُ الآن،
أنّي حينَ أُحبّ،
أُخطئُ الاتجاه،
وحينَ أُكرَه،
يُغويني الحنينُ بوجهِ من ترك.
ربّاه،
هل خلقتَ فينا الحُبَّ لنعرفَ النقصَ لا الاكتمال؟
هل جعلتَ اللقاءَ مرَّتين:
مرّةً بالأمل، ومرّةً بالفقد؟
كم أتمنّى أن أُقابلَ حبًّا لا يُعاقبني على صدقي،
ولا يهربُ من دفءِ يدي،
ولا يذوبُ من أولِ اختبارٍ للوقت.
لكن يبدو أنّ الحُبَّ — في عالمي —
ليس وعدًا بالسكينة،
بل تمرينٌ أبديٌّ على الفقدِ الجميل،
وعزاءٌ طويلٌ للمؤمنينَ بالحنين.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.