أخبرني، أيُّها الغريبُ العابرُ بينَ فصولي،
أينَ يُباعُ النسيان؟
هل يُوزَّعُ في زجاجاتٍ صغيرةٍ
كالدواءِ الذي يُسكِتُ الألم؟
أم يُغنّيهِ العابرونَ في الطرقاتِ
حينَ يظنّونَ أنَّ الغناءَ يُطهِّرُ الوجع؟
أخبرني،
أينَ أجدُ ملامحي السابقة؟
تلكَ التي كانت تُشرقُ مع الفجرِ
وتضحكُ للرياحِ،
وتُصدّقُ أنَّ الوردَ لا يخونُ المطر.
ملامحي التي تاهتْ في مرآةٍ
لم تَعُدْ تعرفُني،
وصوتي الذي صارَ صدىً يهمسُ باسمي
ولا يسمعُهُ أحد.
أُريدُ أن أعودَ إلى نفسي،
إلى الطفلةِ التي كانت تَخافُ من الظلامِ
لكنها كانتْ تؤمنُ أنَّ النورَ يسكنُ القلب،
إلى الفتاةِ التي كانتْ تكتبُ الشعرَ للحياةِ
لا للفقد،
وتؤمنُ أنَّ الغيابَ مجرّدُ غيمةٍ
لا تمطرُ إلا على من ينتظر.
أُريدُ أن أعودَ إلى قلبي،
قبلَ أن يُقطّعَهُ الحنينُ
ويُلقِي بهِ في طرقاتِ الوحدةِ.
هل ترى قلبي يا غريب؟
كانَ هنا،
على مقعدٍ من الذاكرةِ،
يُوزّعُ الحبَّ على المارينَ بابتسامةٍ،
ويُخفي جُرحَهُ خلفَ وردةٍ نائمةٍ.
أينَ يُباعُ النسيان؟
دلّني على سوقٍ
يُقايضُ الدمعَ بالسكينة،
أو على بائعِ أحلامٍ
يُرمّمُ لي وجهي حينَ أنهكهُ الفقد.
أُريدُ أن أنسى كيفَ رحلوا،
كيفَ تفرّقَتْ ضحكاتي معهم
كقطعِ زجاجٍ في الريح،
وكيفَ صارتْ الأيامُ
تُشبهُ دفترَ ملاحظاتٍ
ملأهُ الغبارُ والندم.
يا أنا،
كم مرةٍ وعدتُكِ بالسلام
ثمَّ خنتُ الوعد؟
كم مرةٍ دفنتُ ذاكرتي
ثمَّ ذهبتُ في الليلِ أنبشُها؟
كم مرةٍ قلتُ: "انتهى الأمرُ"
ثمَّ بكيتُ حينَ رأيتُ ظِلَّهُ في الحلم؟
أنا التي تشتري الذكرياتِ
بأغلى أثمانِ الوجع،
وأبيعُ السعادةَ بقطرةِ دمعةٍ واحدة.
أُريدُ أن أعودَ كما كنتُ،
قبلَ أن أتعلمَ معنى "النهايات"،
وقبلَ أن أُدركَ
أنَّ بعضَ الوجوهِ تُحبّنا
لتتعلّمَ منّا الفقد،
وبعضَ الأيادي تُصافحُنا
لتعرفَ كيفَ تُلقي بنا بعدَ السلام.
يا غريب،
هل رأيتَ يوماً قلباً
يُهاجرُ من جسدهِ؟
لقد فعلتُ،
رحلَ قلبي،
تركَني وحيدةً
أُراسلُ ظلّي في المرايا،
وأكتبُ للغيمِ رسائلَ لا تُطرَد،
وأستجدي دفءَ الأمسِ
من صفحاتٍ مُمزّقةٍ في الذاكرة.
أينَ يُباعُ النسيان؟
هل يزرعونهُ في حدائقِ العُزلة؟
هل يسكبونهُ معَ قهوةِ الصباحِ
كي لا نذكرَ من رحلوا؟
أم هو لعنةٌ لا تُشترى؟
أم أنَّ النسيانَ يُولَدُ في آخرِ تنهيدةٍ
حينَ يَملُّ القلبُ من الألم؟
أُريدُ أن أرى نفسي،
قبلَ أن يلوثَها الغياب،
قبلَ أن يُطفئَ الحنينُ ضوءَ عيني،
قبلَ أن يصيرَ اسمي
مرثيةً في ذاكرةِ من أحببت.
دلّني على طريقٍ يعودُ إلى ذاتي،
على رصيفٍ ما زالَ يحتفظُ بخطواتي القديمة،
على ضحكةٍ
ما زالتْ تنتظرني في آخرِ الحلم.
أخبرني،
هل يمكنُ أن ننسى ما كنّا عليه؟
أم نحنُ محكومونَ بالذكرياتِ
كعقوبةٍ أبديةٍ على الحُب؟
هل يمكنُ أن أغسلَ وجهي من الماضي
وأبقى أنا؟
أم أنَّ الماضي هو الملامحُ كلّها
التي ترفضُ أن تغيب؟
يا نسيان،
إن كنتَ موجوداً،
تعالَ خذْ ما شئتَ من قلبي،
خذْ ما شئتَ من أحلامي،
لكنْ أعدْ لي نفسي،
أعدْ لي صورتي القديمة
حينَ كنتُ أضحكُ بلا سبب،
وأُحبُّ بلا خوف،
وأعيشُ بلا حنينٍ يوجعُ صدري.
أُريدُ أن أعودَ إلى نفسي...
لا أكثر.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.