قصص وحكايات

هذا هو القَدر... بين الفراق والاشتياق

رحلة شاعرية تغوص في أسرار القدر وتقلبات القلوب، بين حبٍّ يولد فجأة وفراق يترك في الروح ظلالًا طويلة… قصيدة تنتقل بك بين الدهشة والحنين والوجع الجميل.

هذا هو القَدر... بين الفراق والاشتياق

هذا هو القَدر…
أشياء كثيرة ليست بأيدينا، إنما هي أقدارنا،
حبٌّ يسيطر على قلوبنا فيغيّر ترتيب أفكارنا،
وشخص نشتاق إليه ولكن كتب على القلب فراقه مدى الحياة…
ومن هنا يبدأ الوجع الأول في الحكاية.

كنتُ كلما همستُ لقلبي أن يهدأ
هاج كالريح في الليالي العاصفة،
فالحبُّ لا يعرف هدوءًا حين يتسلل من نافذة الروح،
ولا يمنح صاحبه خيارًا ثالثًا بين النجاة والضياع،
بل يقوده إلى نهرٍ لا قرار له،
يُغرقه وهو يبتسم…
وكأنه وُلد ليغرق.

وكأن القدر يفتح لنا بابًا واحدًا،
ثم يغلق خلفه ألف باب،
فنقف في ممر طويل من الحيرة،
نتساءل: لِمَ جئنا؟
ولمَ أحببنا؟
وكيف صار القلب وطنًا لمن لا يعود؟

حبٌّ جاء فجأة
كالضوء الذي يقتحم غرفة مظلمة
فيوقظ كل شيء كان نائمًا في داخلي…
أعاد ترتيب نبضي،
قلبَ دفاتر عمري،
جعلني أرى نفسي بعيون لم أعرفها قبل أن يطلّ.

لكن القدر، دائمًا القدر،
يقف في الزاوية ويبتسم ابتسامة لا تُفهم،
بينما يأخذ منّا ما نحب،
ويترك لنا ما لا نملك أن نغيّره.

وشخصٌ عزيز على قلوبنا يتركنا ويرحل،
فتغيب من بعده شمسنا،
وتذبل في الحياة أزهارنا،
كأن الربيع قرر ألّا يعود إلينا،
وكأن الدروب كلها اتفقت أن تصير حجرًا تحت أقدامنا.

وهنا…
يتحوّل الليل إلى مقعد طويل نجلس عليه وحدنا،
نتأمّل غيابهم،
نجرّب صمتًا لا ينتهي،
ونبحث عن صوتهم بين ثنيات الذاكرة
فنجد صدى لا يمسك يدًا ولا يدفئ قلبًا.

وآخر يتلهّف لرؤيتنا ويشتاق إلينا،
ولكنه بعيد عن أنظارنا،
ويصعب عليه قبول أعذارنا…
ويا لوجع الذين يحبون من بعيد،
المعلّقين بين حلمٍ يلوّح لهم
وواقع يسحبهم إلى الخلف بلا رحمة،
فلا هم قادرون على الاقتراب
ولا هم قادرون على الهروب.

كم من قلب عاش على وعدٍ صغير،
وكم من روح ظنّت أن المسافة مجرد طريق…
لكن الطرق أحيانًا تتحوّل إلى جدار
لا يُهدم،
ولا يلين.

حقًا…
إنها أشياء كثيرة ليست بأيدينا،
بل إنها أقدار مكتوبة
على جبيننا منذ نعومة أظفارنا…
ولهذا صار القدر معلمًا متعاليًا،
لا يشرح دروسه،
ولا يسمح لنا بإعادة الامتحان،
فإما أن نمرّ،
أو نبقى على حافة الدرس متعثرين
بأسئلتنا التي لا يُجاب عنها.

يا أيها القدر…
كيف جعلتَ منّا مسافرين فوق خرائط لا نختارها؟
نودّ أن نعود فنجد الباب مفتوحًا،
ولكننا نصل دائمًا بعد أن يغلق كل شيء،
بعد أن ينطفئ الضوء،
بعد أن تتبدل الوجوه…
ونقف كالغرباء في أوطانٍ ظننا أنها لنا.

ويا أيها القلب…
كم مرة صدّقت الوعود؟
وكم مرة ظننت أن الحب وحده يكفي؟
ومع ذلك ما زلت تحب…
ما زلت تخطئ الطريق نفسه
وتعود إليه وكأنك لا تحفظ غيره.

أحببتُ من قدّر لي أن أفارقه،
وتعلّقتُ بمن كتب لي ألّا ألقاه،
وبكيتُ من أجل من لا يدري أنّ دمعةً نزلت لأجله…
هكذا نحن،
نقسو على أنفسنا لأننا نملك قلوبًا
أكبر من قدرتها على الاحتمال.

كم تجرّعنا الرحيل
ونحن نسبّح بآلاف الأمنيات،
وكم ضمّتنا الشوارع
وهي تشهد خيباتنا…
لكننا رغم كل هذا
نمضي،
وكأن قلوبنا تصنع من الألم أجنحة.

لستُ ألوم القدر،
لكنني أعاتبه…
أعاتبه لأنّه يمنحنا الفرح بيد
ويخبّئ الحزن في اليد الأخرى،
ويتركنا نتفاجأ حين تتبدل الأدوار.

ومع ذلك…
أؤمن أن في طيّ كل وجع حكمة،
وفي كل تأخير خير،
وفي كل غياب درس
يُشعل فينا بصيرة لم ندرك قيمتها.

فالذين يمضون يجعلوننا نرى أنفسنا أكثر،
والذين يبقون يجعلون الحياة تستحق الطريق،
أما الذين لا يأتون أبدًا
فيعلّموننا كيف نحب من غير أن نمتلك.

حقًا…
هذا هو القَدر.
وتلك هي حكاية القلب حين يكتبها الزمن،
وتلك هي الخطوات التي نمشيها
دون أن نعرف إلى أين،
ولا لماذا…
لكننا نمشي،
نواصل،
نحيا،
لأن في داخلنا شعلة صغيرة
لا تنطفئ…
ولأن القلوب، مهما انكسرت،
تُخلق كي تحب من جديد.

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.