قصص وحكايات

قصيدة عن الحب والغياب

قصيدة تأخذك في رحلة داخل قلبٍ يراوغ الاعتراف، حيث يصبح الغياب غربة، والحب سؤالًا لا يهدأ، والعودة وعدًا يعيد للعالم ألوانه.

قصيدة عن الحب والغياب

في المساء الذي يتكئ على نافذة القلب،
كنتُ أعدّ خطوات الغياب كما يُعدّ البحّار نجومه،
أخاف أن أخطئ العدّ،
فأضيع بين شاطئين: شاطئٍ أعرف اسمه،
وآخر لا يحمل سوى صدى اسمها.

قال لي صوتٌ داخلي،
يشبه مرآةً تسأل مرآة:

  • أتحبها ؟
    فأجبتُ وأنا أرتّق صمتي:
    = لا أدري ..
    لكنّ السؤال لم يغادر،
    ظلّ يحرّك الهواء حولي،
    حتى صار الهواء نفسه سؤالًا.

غيابها ليس فراغًا عابرًا،
إنه ترتيب جديد للأشياء،
كرسيّ يتقدّم خطوة ثم يتراجع،
ساعة تتباطأ لأن عقربها يخاف الوصول،
وأسماء الناس تفقد ألوانها
كأنها صور قديمة تعرّضت للشمس طويلاً.

حين لا تكون هنا،
تتبدّل وجوه المارّة،
أراهم بملامح شاحبة،
كأن المدينة نسيت مساحيقها،
والطرقات تُصدر صريرًا خافتًا
يشبه حزنًا يتعلّم المشي.
وفي رأسي يتردّد صوتٌ آخر:
ولكن غيابها يجعل وجوه الناس شاحبة ..
ورائحة الهواء مُغبره ..

فيضحك السؤال،
ويعيد ترتيب الاتهام:

  • إذاً فأنت تحبها !
    ألوّح له بيدي،
    كمن يبعد دخانًا عن نافذته،
    وأقول:
    = دعك من تضخيم الأمر ..
    فالقلوب لا تُقاس بمسطرة،
    والحبّ ليس إعلانًا يُعلّق على جدار.

لكن الغياب حين يطيل الوقوف،
يتحوّل إلى فلكٍ صغير،
يدور حول صدري،
يجذب كل شيء نحوه،
حتى الضوء.
هناك أفهم شيئًا لا أريد الاعتراف به،
أنها حين تغيب،
يحدث في الكون اختلالٌ طفيف،
لا يراه الفلكيون،
لكنّ القلب يرصدُه بدقّة.

أقول للسؤال كي يهدأ:
فقط غيبتها تبدو كثقب أسود
يبتلع ألوان الكون حين يطل عليّ ،
ثم يعيد ما اختلسه من البهجه حين تعود !
وأتظاهر بالقوة،
كأنني لم أرتجف وأنا أقول ذلك،
كأنني لم أضع يدي على صدري
لأتأكد أن القلب ما زال في مكانه.

فيعود الصوت بإصرار طفلٍ عنيد:

  • بالتأكيد أنت تحبها !
    أشيح بوجهي نحو الليل،
    فالليل وحده يفهم المراوغة،
    وأهمس:
    = دعنا لا نتسرع في الحكم ، رجاء ..
    الحبّ كلمة واسعة،
    وأنا أضيق أحيانًا حتى عن نفسي.

كل ما في الأمر،
أنها حين تضحك،
يتذكّر الصباح سبب استيقاظه،
وحين تصمت،
يتعلّم المساء كيف يكون عميقًا بلا ظلمة.
وحين تغيب،
لا أفتقدها وحدها،
أفتقد النسخة الأفضل مني،
ذلك الرجل الذي كان يعرف
كيف يقف بثبات لأن ظلّها قريب.

أمشي في الشوارع،
أحمل غربتي كما يحمل المسافر حقيبة قديمة،
لا يفتحها أمام أحد،
وأدرك أخيرًا ما حاولت الهروب منه:
كل ما في الأمر أن غيابها .. غربتي !!
الغربة ليست مسافة،
هي أن تبحث عن نفسك
ولا تجدها إلا في حضور شخصٍ واحد.

فإن كان هذا حبًا،
فليكن بلا اعترافات صاخبة،
وبلا يقينٍ كامل،
حبٌّ يشبه صلاة سرّية،
أؤديها كلما طال الغياب،
وأؤمن بأن العودة،
مهما تأخرت،
تعيد للعالم ألوانه
ولي اسمي.

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.