القصيدة
كم أحسدُ الأشياءَ من حولكِ،
لا لأنها أقرب،
بل لأنها لا تُحاسَب على اقترابها،
تدخل عالمكِ بلا تردّد،
وتغادره دون أن تترك في القلب فجوة.
أحسدُ الكرسيَّ الذي يجلس قربكِ،
يسمع صمتكِ حين يتعب الكلام،
ويحمل وزنكِ الخفيف
دون أن يرتجف شوقًا أو خوفًا من الفقد.
أحسدُ الجدارَ خلفكِ،
لأنه يستند إلى ظهركِ كل مساء،
وأنا أستند إلى صورتكِ فقط
كلما أثقلتني الأيام.
أحسدُ النافذة،
لأنها ترى عينيكِ أول الصباح،
وتعرف مزاجكِ من حركة الستارة،
بينما أقرأكِ من حدسٍ بعيد
يخطئ أحيانًا
ويصيب وجعي دائمًا.
أحسدُ الفنجانَ الذي تشربين منه،
لأنه يلامس شفتيكِ
ويعرف حرارة يديكِ،
وأنا لا أعرف
إلا برودة الغياب
حين يطول.
أحسدُ الهواء
الذي يمرّ بقربكِ،
يختلط بأنفاسكِ دون استئذان،
ولا يُتَّهم بالتعلّق
ولا يُعاقَب بالحنين.
أحسدُ الضوء
حين يقع على وجهكِ،
يحفظ ملامحكِ كاملة،
ويغادر
دون أن يُطالب بالمزيد،
أما أنا
فكلما رأيتكِ بالقلب
طالبتني الذاكرة بصورة أخرى
ثم كسرتني.
حتى الطرقات أحسدها،
لأنها تحمل خُطاكِ،
وتعرف اتجاهاتكِ،
وأنا أحمل اسمكِ فقط
في صدري
وأضيع.
أما أنا،
فقد حُكم عليَّ بالاشتياق المؤبَّد،
لا يُخفَّف بعذر،
ولا يُنقَض بوعد.
أراكِ بالقلب لا بالعين،
وأقترب منكِ بالدعاء لا بالخطوات،
وأحادثكِ بصوتٍ
لا يسمعه أحد سواي.
أُتقن الغياب
كما يُتقن العارفون عباداتهم،
أعرف أوقاته،
ومواسم شدّته،
وأعرف متى يفيض
ومتى يكتم دموعه في الصدر.
لكن قولي لي،
أليس الشوق عبادة؟
أليس الانتظار نوعًا من الإيمان؟
أليس البعد طريقًا آخر للحضور
حين تسدّ كل الطرق؟
أنا لا أطلب معجزة،
ولا أساوم القدر،
كل ما أريده
أن يظل اسمكِ حيًّا في داخلي
دون أن يذبل.
علّمتني المسافة
أن الحب لا يُقاس بالخطوات،
بل بثبات القلب
حين تتكاثر الهزائم.
علّمتني
أن الغياب ليس نسيانًا،
بل امتحانًا طويلًا
للصدق.
فأنا،
وإن حُرمتُ القرب،
لم أُحرَم حبكِ،
وإن خسرتُ اللحظة،
لم أخسر المعنى.
أحسدُ الأشياءَ من حولكِ، نعم،
لكنني لا أكرهها،
لأنها تشهد على وجودكِ
في عالمٍ
لم يُتح لي دخوله.
وأبقى هنا،
أجمع فتات حضوركِ من الذكريات،
وأصنع منه قلبًا
يواصل الخفق
دون شكوى.
وذلك يكفيني،
كي أبقى حيًّا بكِ،
وأنجو من نفسي
كل مرة
يشتد فيها الحنين.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.