ما زلتُ أحتفظُ بنصفِ الذكرى
كما يحتفظُ الغريقُ بنصفِ أنفاسه
لا لينجو… بل ليؤجل الغرق قليلًا
ما زلتُ أحتفظُ بنصفِ الذكرى
ذلك النصف الذي لم يتعلم كيف يرحل
ولم يُتقن فنّ النسيان
نصفٌ عالقٌ بين الأمس واليوم
بين ما كان
وما لم يعد
أحتفظُ بنصفِ الذكرى
لأن النصف الآخر هاجرَ دون وداع
كطائرٍ فزع من صوته
فطار قبل أن ألوّح له
ترك خلفه ريشًا من الحنين
وعشًا من الأسئلة
وصمتًا لا يشبه إلا الغياب
كنا معًا
أو هكذا ظننت
كنا نضحك كأن العالم لا يسمعنا
ونحزن كأن الحزن خُلِقَ لأجلنا وحدنا
كانت خطواتنا متجاورة
لكن القلوب…
لم تكن تسير بالسرعة ذاتها
أحتفظُ بنصفِ الذكرى
تلك اللحظات الصغيرة
التي لا يراها أحد
نظرةٌ عابرة
صمتٌ طويل
يدٌ كانت قريبة
ثم تراجعت
كأنها تذكرت فجأة
أن الاقتراب خطأ
ما زلتُ أذكر
كيف كانت الكلمات بيننا
تولد بلا جهد
وكيف أصبحت الآن
تتعثر في فمي
كأنها لا تعرفني
كأنها تسألني:
هل ما زلتَ أنت؟
أم أنك أصبحت شخصًا
لا يشبه ما كنا؟
أحتفظُ بنصفِ الذكرى
ذلك النصف الذي يوقظني ليلًا
حين يهدأ كل شيء
ويبدأ الضجيج داخلي
نصفٌ لا ينام
ولا يريد أن ينسى
نصفٌ يطرق صدري
كلما ظننت أني تجاوزت
كنا نخطط لأشياءٍ بسيطة
لكنها كانت كبيرة بما يكفي
لتخيف الزمن
كنا نؤجل الفراق
كأن التأجيل يمنحه تعبًا
ويجعله يملّ منا
لكن الفراق لا يمل
الفراق صبور
ينتظر اللحظة التي نضعف فيها
ما زلتُ أحتفظُ بنصفِ الذكرى
لأنها الدليل الوحيد
أن ما حدث لم يكن وهمًا
أن الضحكة كانت حقيقية
وأن القلب لم يخترعك
ليملأ فراغه
أحتفظُ بها
كما يحتفظ المسافر بصورةٍ قديمة
لا يعرف لماذا
لكنه يخشى
إن تخلّى عنها
أن يضيع الطريق نهائيًا
نصفُ الذكرى
هو أنت
حين كنت قريبًا
وحين كنت تشبه نفسك
قبل أن تتغير
أو قبل أن أكتشف
أن التغير كان فيّ
أحيانًا
ألوم الذكرى
وأحيانًا ألوم نفسي
وأحيانًا لا ألوم أحدًا
لأن بعض النهايات
لا تحتاج إلى مذنب
تحتاج فقط
إلى اعترافٍ متأخر
أن الاستمرار كان أصعب
من الرحيل
ما زلتُ أحتفظُ بنصفِ الذكرى
في الأماكن
في الأغاني
في الطرقات التي مررنا بها
في المقاهي التي تركنا فيها
حديثًا لم يكتمل
وفي الوقت
الذي توقف داخلي
يوم قررتَ أن تمضي
أحتفظُ بها
رغم أنها تؤلمني
لأن الألم
هو آخر ما يربطني بك
وآخر ما يثبت
أن القلب خفق يومًا
باسمك
نصفُ الذكرى
ليس ضعفًا
ولا حنينًا أعمى
هو فقط
إنسانٌ يحاول
أن يتصالح مع ماضيه
دون أن يقتله
أو يدفنه حيًا
ما زلتُ أحتفظُ بنصفِ الذكرى
لكنني تعلمت
ألا أعيش فيها
أضعها على الرف
أزورها أحيانًا
وأغلق الباب بهدوء
حين تبدأ بالبكاء
ربما يأتي يوم
أترك فيه حتى هذا النصف
ربما أتعلم
كيف أفرغ يدي
وأمشي خفيفًا
لكن إلى أن يحدث ذلك
سأبقى
أحتفظُ بنصفِ الذكرى
ليس لأنك ما زلتَ هنا
بل لأنني
ما زلتُ أنا
ذلك الذي أحب
بصدق
ثم تعلّم
كيف ينجو بما تبقّى من قلبه.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.