خلف عبارة «أنا بخير» تختبئ حكايات من الشوق المكتوم والحنين الصامت. هذه قصيدة تكشف ما لا يُقال حين يعجز الصوت عن الاعتراف.
القصيدة
وتسألني…
كيف حالك؟
فأبتلع الهواء دفعةً واحدة،
كأن صدري غرفة ضيّقة أُغلِقَ بابها فجأة،
وأبحث عن صوتي فلا أجد إلا صدى أنفاسي.
أودّ أن أقول: أنا أشتاقك حتى يتعب الشوق،
وأفتقدك حتى تصير الذكريات أثقل من الليل،
وأتألم ثم أُجيد المكابرة
كأنها حرفة تعلمتها كي لا أنكسر أمام السؤال.
تسألني كيف حالي،
ولا تعرف أن الكلمات تختنق في حلقي،
أن اسمي حين أنطقه يرتجف،
وأن حروفي تخونني حين أحاول ترتيب الحقيقة.
أودّ أن أصرخ:
إنني أضيع كلما تأخر صوتك،
وأنني أختنق حين يطول الصمت
وأفتش عنك بين رسائل الأمس
فلا أجد سوى فراغٍ يتسع.
أكاد أختنق عندما لا أتحدث معك،
عندما لا أثرثر عن تفاصيل يومي التافهة،
عن كوب قهوتي الذي برد لأنني انتظرت،
عن الطريق الذي حفظ خطاي
وعن الأغنية التي مرّت ولم تُكمل
لأن اسمك قاطع اللحن.
تفاصيل صغيرة،
لكنها حين لا تُقال لك
تصير جبالًا على صدري.
أحاول أن أبدو طبيعيًا،
أن أبتسم حين يسألني أحدهم،
أن أُقنع العالم بأنني بخير،
وأقنع نفسي بأن الغياب عادة
وأن القلب يتعوّد.
لكن قلبي لا يتعوّد،
هو يصرّ على دهشته الأولى،
وعلى حاجته لك
كما يحتاج الصباح إلى نافذته.
تسألني كيف حالك،
وأنا أُعيد السؤال داخلي مئة مرة،
أقيس به المسافة بيننا،
وأعرف كم أصبحت بعيدة
وكم أصبحت قريبة في آنٍ واحد.
بعيدة عن يدي،
قريبة من نبضي،
تسكنني دون إذن
وتغادرني دون وداع.
أختصر كل هذا بكلمة واحدة:
أنا بخير.
كلمة أرتديها كقناع،
أُخبّئ خلفها رعشة قلبي،
وأُسدلها ستارًا على حنيني.
أنا بخير…
هكذا أقول،
بينما داخلي مدنٌ تُهدم،
وشوارع لا تصل،
ورسائل لم تُرسل
لأنها لو خرجت
لفضحتني.
أنا بخير…
وأنا أعدّ الساعات
وأتظاهر بأن الوقت يمضي سريعًا،
وأنا أتعثر بذكراك في كل زاوية،
وأجمع نفسي من بين الأغاني،
ومن بين المقاهي،
ومن بين أحاديث لا تعنيني.
أنا بخير…
وأنا أتعلم كيف أُحب بصمت،
وكيف أشتاق دون ضجيج،
وكيف أُخفي وجعي
كي لا أرهقك بحقيقتي.
تسألني كيف حالك،
ولو كنت تعلم
أن السؤال وحده يكفي
ليفتح كل الأبواب المغلقة،
وأن اسمك حين يمرّ
يُربك اتزاني،
وأنني أحتاجك
لا كترفٍ عابر
بل كحاجة الروح إلى ظلّها.
أنا بخير…
هكذا أُنهي الحديث،
وأترك خلفي كلامًا لم يُقل،
وأمضي،
وفي صدري اختناقٌ جميل
اسمه أنت،
وحنينٌ عنيد
يرفض أن يشفى،
وقلبٌ يُتقن التمثيل
ولا يُتقن النسيان.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.