قصص وحكايات

قصة فترة الصمت الداخلي

ماذا يحدث حين يتوقف الكلام داخلنا، وتبهت المشاعر، ونبتعد عن الجميع؟ هذه قصة عن الصمت الذي لا يُرى، وعن تلك اللحظة التي يتحول فيها الانسحاب إلى بداية حياة جديدة.

قصة فترة الصمت الداخلي

القصة

يحدث أن تمرّ بك فترة صمت، لا مزيد من الكلام، لا مزيد من الشعور، لا مزيد من الأشخاص.
ليس الصمت هنا فراغًا، بل امتلاءٌ ثقيل، كغرفة أُغلقت نوافذها طويلًا حتى صار الهواء نفسه متعبًا من الدوران.
هكذا بدأت حكاية سليم، لا بضجيج حدثٍ كبير، ولا بوجعٍ واضح المعالم، بل بذلك الصمت الذي يتسلل إلى الروح دون استئذان، ويجلس فيها كضيفٍ لا ينوي الرحيل.

كان سليم في السابعة والثلاثين، يعمل محررًا في صحيفة محلية، اعتاد أن يصوغ الكلمات للآخرين، لكنه منذ أشهر لم يعد قادرًا على كتابة سطرٍ واحدٍ لنفسه.
كلما جلس أمام شاشة الحاسوب، شعر أن الكلمات تهرب، تتوارى خلف جدارٍ زجاجيّ يراها ولا يلمسها.
لم يكن حزينًا بالمعنى التقليدي، ولم يكن سعيدًا أيضًا، كان في منطقةٍ رمادية، لا ألم فيها صارخ، ولا فرح يلوّح من بعيد.

استيقظ ذلك الصباح متأخرًا، نظر إلى الساعة، لم يشعر بالفزع.
الوقت فقد قدرته على إخافته.
فتح النافذة، رأى الشارع ذاته، الباعة أنفسهم، الأصوات ذاتها، لكنه أحسّ كأنه يشاهد مشهدًا صامتًا، بلا موسيقى داخلية.
حتى قلبه كان يخفق بنظامٍ آليّ، بلا زيادة ولا نقصان.

تذكّر أول مرة شعر فيها بهذا الصمت.
لم تكن بعد فراق، ولا بعد خسارة، بل بعد تراكمٍ طويل من الخيبات الصغيرة التي لا ينتبه لها أحد.
خيبات تشبه قطرات ماءٍ تتساقط على صخرة، لا تُحدث أثرًا في البداية، لكنها مع الوقت تغيّر الشكل.

كان قد ابتعد عن أصدقائه واحدًا تلو الآخر.
ليس لأنهم أخطؤوا، ولا لأنه غاضب، بل لأن التواصل صار مجهودًا لا طاقة له به.
الرسائل غير المقروءة تراكمت، المكالمات الفائتة لم يعد يعيدها، ومع كل اعتذارٍ مؤجل، كان الصمت يتسع.

حتى والدته، التي كانت صوته الدائم في الصباح، صارت مكالماتها مقتضبة.
كانت تشعر بالتغير، لكنها لم تسأل.
الأمهات أحيانًا يتركن أبناءهنّ لصمتهم، حين يدركن أن الكلام لن يكون شفاءً.

في المساء، خرج سليم يتمشى بلا وجهة.
المشي صار ملاذه الوحيد، حركة بلا هدف، فقط ليشعر أن جسده ما زال حيًا.
مرّ بمقهى قديم كان يجلس فيه مع أصدقائه أيام الجامعة، تردّد في الدخول، ثم واصل السير.
الأماكن أيضًا تحمل ذاكرة، وهو لم يعد يحتمل مواجهة الذكريات.

جلس على مقعدٍ خشبي في حديقة صغيرة.
الأطفال يركضون، الضحكات تتطاير، لكنه لم يشعر بالانتماء لهذا المشهد.
كأن بينه وبين العالم زجاجًا شفافًا، يرى كل شيء، ولا يلمسه شيء.

هناك، على المقعد المجاور، جلست امرأة في الأربعين تقريبًا، تقرأ كتابًا.
لم يلتفت إليها في البداية، لكنه لاحظ أنها أغلقت الكتاب فجأة، ونظرت إلى الفراغ بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها هو.
ذلك التواطؤ الصامت لفت انتباهه.

بعد دقائق، قالت بصوتٍ هادئ:
– أحيانًا نقرأ لنتهرب من التفكير، وأحيانًا نغلق الكتاب لأن التفكير يطغى.

نظر إليها بدهشة خفيفة، لم يكن معتادًا على الحديث مع غرباء، لكنه أجاب دون تفكير:
– وأحيانًا لا نعرف لماذا نفعل أيًّا من الاثنين.

ابتسمت ابتسامة قصيرة، كمن وجد جملة يعرفها منذ زمن.
عرّفت نفسها باسم ليلى.
لم يسألها عن شيء، ولم تسأله.
جلسا يتبادلان جملًا قصيرة، بلا فضولٍ زائد، وبلا محاولات للتقرب.

كان الحوار بسيطًا، عن الطقس، عن ازدحام المدينة، عن الكتب التي لا تُنقذنا كما نعتقد.
لكن سليم شعر بشيءٍ مختلف.
لم يكن دفئًا، بل غياب ثقل.
الصمت بين الجمل لم يكن خانقًا، بل مريحًا.

افترقا دون تبادل أرقام، ودون وعدٍ بلقاء.
ومع ذلك، عاد سليم إلى بيته وهو يشعر أن الصمت تغيّر قليلًا، كأنه لم يعد وحدةً كاملة، بل مساحة قابلة للتنفس.

في الأيام التالية، عاد إلى الحديقة في التوقيت نفسه.
لم يكن ينتظرها بوعي، لكنه كان يجلس على المقعد ذاته.
بعد ثلاثة أيام، ظهرت ليلى.
جلست، تبادلا نظرة، وابتسما، وكأن اللقاء كان مقررًا دون اتفاق.

بدأت الحكاية تتشكل ببطء.
لم تكن قصة حب تقليدية، ولا صداقة معلنة.
كانت مشاركة صمت.
يتحدثان قليلًا، ويصمتان كثيرًا، لكن الصمت هنا كان مشتركًا، لا معزولًا.

حكى لها سليم عن عمله، عن عجزه عن الكتابة، عن شعوره بأن الكلمات خانته.
استمعت دون مقاطعة، دون نصائح.
قالت فقط:
– ربما لم تخنك الكلمات، ربما أنت الذي تحتاج أن تصمت أكثر لتسمعها.

تلك الجملة علقت في رأسه.
في تلك الليلة، فتح دفترا قديمًا، وكتب جملة واحدة:
"أنا لا أشعر، وهذا شعور."

لم تكن جملة عظيمة، لكنها كانت بداية.

مع الوقت، صار الصمت أقل قسوة.
بدأ سليم يلاحظ التفاصيل الصغيرة:
صوت خطواته على الرصيف، رائحة القهوة في الصباح، ضوء العصر وهو ينسحب ببطء.
أشياء لم يكن يراها حين كان مشغولًا بالكلام.

ليلى كانت تحكي أقل مما يسمع.
كان لديها ماضٍ ثقيل، فقدت زوجها قبل سنوات، وعاشت فترة صمت أطول مما يحتمل البشر.
قالت له ذات مرة:
– الصمت ليس عدوًا دائمًا، أحيانًا هو غرفة الانتظار قبل حياةٍ جديدة.

لكن الصمت لا يرحل دفعة واحدة.
عاد سليم ذات يوم إلى البيت، شعر بثقلٍ مفاجئ، رغبة في الانعزال.
لم يذهب إلى الحديقة لأيام.
عاد إلى تلك الحالة: لا مزيد من الكلام، لا مزيد من الشعور، لا مزيد من الأشخاص.

كانت ليلى تمرّ بالمقعد، تجلس وحدها، ثم ترحل.
لم تبحث عنه، لم تسأل.
كانت تعرف أن الصمت حين يعود، يجب أن يُعاش، لا أن يُقاوَم.

بعد أسبوعين، عاد سليم.
جلس على المقعد، كأنه يعود إلى نفسه.
جاءت ليلى بعد دقائق.
لم تعاتبه، لم تسأله أين كان.
قالت فقط:
– أحيانًا نغيب لنرتب الداخل.

هزّ رأسه، شعر بامتنانٍ لا يوصف.

مع مرور الشهور، تغيّر سليم.
عاد يكتب، لكن ليس كما كان.
صار يكتب ببطء، بصدقٍ أكبر.
لم يعد يبحث عن إعجاب القراء، بل عن مصالحةٍ مع نفسه.

الصمت لم يختفِ تمامًا، لكنه لم يعد مخيفًا.
صار مساحة يستريح فيها، لا حفرة يسقط بها.

في أحد الأيام، قال لليلى:
– أخاف أن يرحل هذا الهدوء.
ابتسمت وقالت:
– كل شيء يرحل، حتى الهدوء، لكننا نتعلم كيف نودّعه دون أن ننهار.

لم يعترف لها بحب، ولم تعترف له.
لكن العلاقة كانت أعمق من الاعتراف.
كانت حضورًا هادئًا في حياةٍ كادت تُبتلع بالصمت.

في نهاية العام، انتقلت ليلى إلى مدينة أخرى.
ودّعته على المقعد ذاته.
قالت:
– إذا عاد الصمت، تذكر أنه ليس نهاية الطريق.

عاد سليم إلى بيته تلك الليلة، شعر بالحزن، لكنه كان حزنًا نظيفًا.
جلس وكتب لساعات.
كتب عن الصمت، عن الفترات التي لا نكون فيها أيّ شيء، وعن الأشخاص الذين يمرون ليعلّمونا كيف ننجو دون ضجيج.

يحدث أن تمرّ بك فترة صمت، لا مزيد من الكلام، لا مزيد من الشعور، لا مزيد من الأشخاص.
لكن يحدث أيضًا أن تتعلم خلالها كيف تسمع نفسك لأول مرة.

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.