قصيدة تأخذك في رحلة هادئة نحو التصالح مع الفقد، حيث يصبح التغيير ضرورة، ويغدو ترك الأشياء فعل شجاعة لا هروب، بل بداية جديدة.
القصيدة
لا تكن حارسًا على كلِّ شيء،
فالحياةُ أوسعُ من قبضةِ الخوف،
وأرحبُ من يدٍ تُمسكُ الريح.
نم قليلًا خارجَ القلق،
واترك للنهار حقَّه في أن يجيء كما يشاء،
لا كما تخطِّط له الساعات.
نولدُ محمَّلين بالرغبة في السيطرة،
نحسبُ أن التمسك يُنقذ،
وأن الحراسة تُطيل البقاء، لكننا ننسى
أن بعض الأشياء لا تزهر
إلا حين نبتعد خطوة،
وأن القلوب حين تُراقَب
تخجل من النبض.
هناك أشياء دعها تكون،
كالشمس حين تتسلل إلى الغرفة دون إذن،
وكالضحكة التي تهرب من الفم
في لحظة صدق، دعها تكون كما هي،
ناقصة، فوضوية،
تحمل أخطاءها وتكمل الطريق.
لا تُربِّ الأسئلة في صدرك
حتى تتحول إلى جدار،
دع الجواب يأتي متأخرًا إن أراد،
فبعض الحقائق لا تحب العجلة،
وتحتاج إلى صمتٍ طويل
كي تظهر.
وإن تعبتَ من حمل الذاكرة كحقيبةٍ مثقوبة،
فكر قليلًا في معنى أن تُخفِّف،
أن تترك ذكرى عند مفترق العمر
وتلوِّح لها دون دموع.
وأشياء دعها تذهب، لا تُطاردها بالعتب،
ولا تُقِم لها محاكمَ في الليل، فما كُتب له الرحيل
سيغادر مهما أوصدتَ الأبواب،
وما لم يُخلق ليبقى لن ينقذه الإلحاح.
كم مرة تشبثنا بأسماء كانت تؤذينا،
بأماكن ضاقت بنا، بأحلامٍ تجاوزناها
لكنها رفضت أن تعترف؟
الذهاب أحيانًا ليس خسارة، بل نجاة مؤجلة.
تعلم أن تقول وداعًا دون أن تشرح،
فليس كل الفهم واجبًا، وليس كل الغياب
يحتاج تبريرًا. بعض الطرق تنتهي
لأننا كبرنا عنها، لا لأنها كانت خطأ.
و أخرى دعها تنتهي،
كالقصص التي أدت دورها وغادرت،
كالوجوه التي علمتنا درسًا ثم انسحبت بهدوء،
دع النهايات تكون نظيفة، خالية من السحب،
فالنهاية المؤجلة توجع أكثر من الختام.
لا تحوِّل كل خسارة إلى معركة،
ولا كل وجع إلى إقامة دائمة،
فالحياة لا تحب من يرفض التغيير،
ولا تكافئ من يُقيم في الماضي طويلًا.
قد يُفاجئنا القدر أحيانًا بأحداثه،
كزائرٍ يطرق الباب في ساعة متأخرة،
لا يحمل تفسيرًا ولا يعتذر عن الإزعاج،
يغيِّر ترتيب الغرفة
ويمضي.
نغضب أولًا، نحتج، نرفع صوت الأسئلة،
ثم نكتشف بعد زمن أن ما حدث
كان المسار الوحيد نحو أنفسنا.
لكنه…
يصنع فينا تغييرًا كنا بحاجة إليه،
تغييرًا لا نجرؤ عليه
حين نملك الاختيار، ولا نراه
حين نكون داخل العاصفة.
القدر لا يُجيد الشرح، لكنه بارع في التعليم،
يعلمنا أن نخفف قبل أن ننكسر،
أن نترك قبل أن نُستنزف، وأن نثق
دون أن نُغمض أعيننا.
فلا تكن حارسًا على كل شيء، لا على الحب،
ولا على الحزن، ولا حتى على نفسك،
اسمح لك بأن تخطئ وتتعلم،
أن تضعف وتنهض.
دع الحياة تمرُّ بك لا فوقك، وافتح نافذتك للهواء
ولو كان باردًا، فالرئتان تتعلمان القوة من التنفس،
لا من الحبس.
ستكتشف يومًا أنك حين تركت لم تخسر،
وحين قبلت النهاية بدأت، وحين صدقت التغيير
وجدت طريقك.
وهكذا نمضي، أخفَّ مما كنا، أصدق مما نظن،
نترك للأشياء حقها في أن تكون، وفي أن تذهب،
وفي أن تنتهي، ونحتفظ لأنفسنا
بحق العبور بسلام.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.