قصة تعيدك إلى زمنٍ كنا نخاف فيه من حذاءٍ مقلوب ونعتذر لله عن كسرة خبز، قبل أن تُغيرنا الأيام ونفقد أشياء لم نشعر بسقوطها.
كُنَّا أطفالًا نرتعبُ إنْ رأينا حذاءً مقلوبًا جهة السماء، فنركضُ بأقدامٍ حافية وقلوبٍ مرتجفة لنُعيده إلى وضعه الصحيح، وكأننا نُنقذ السماء من إهانة غير مقصودة. لم يكن أحد قد قال لنا لماذا يجب أن نفعل ذلك، لكننا كنا نؤمن أن الأشياء تشعر، وأن الله يرى التفاصيل الصغيرة كما يرى القلوب. وكُنَّا إذا رأينا قطعةَ خبزٍ مُلقاةً على الأرض، نترك لعبنا ونحملها برفق، نُبعد عنها الغبار، نضعها في مكانٍ عالٍ، ونُرسل قبلةَ اعتذارٍ إلى الله، ثم نعود إلى ألعابنا وكأننا أدّينا واجبًا مقدسًا لا يحتمل التأجيل.
كان العالم آنذاك بسيطًا، مُستقيمًا مثل طريق القرية الذي لا يتفرع إلا قليلًا. الخير واضح، والشرّ واضح، والخطأ يُغتفر بسرعة لأن النية كانت دومًا نقية. لم نكن نعرف أن الأيام تُتقن سرقة الأشياء الجميلة بهدوء، ولا تُصدر صوتًا وهي تفعل ذلك.
كبرنا.
كبرنا ولم ننتبه متى سقط أول حذاء مقلوب أمامنا ولم نُعده. ربما كنا مُستعجلين، أو مُرهقين، أو نحمل في رؤوسنا ما هو أثقل من أن نُفكر في حذاء. ربما ضحكنا ساخرين من فكرة قديمة، أو قلنا في سرّنا إن الله مشغول بأمورٍ أكبر. لم نُدرك حينها أن تلك اللحظة الصغيرة كانت أول شرخٍ في جدار البراءة.
أنا الآن أعود بذاكرتي إلى بيتنا القديم، إلى الفناء الترابي الذي كان يجمعنا بعد العصر. أرى وجوهنا بوضوح: عيونٌ واسعة، ضحكاتٌ صافية، وأحلامٌ لا تحتاج إلى تفسير. كنا نحلم بأشياء بسيطة: دراجة جديدة، كرة لا تنفجر، أو يومٍ لا ينتهي من اللعب. لم نكن نحلم بالنجاة، ولا بالخلاص، ولا بالهروب من ثقل الحياة.
كان أبي يقول إن القلوب مثل الزجاج، إن شُرِخ مرةً لا يعود كما كان مهما حاولت إصلاحه. لم أفهم كلامه إلا بعد سنوات طويلة، حين نظرت في المرآة ولم أتعرف على الطفل الذي كنته.
دخلت المدرسة، وهناك بدأت الدروس الحقيقية، لا تلك المكتوبة في الكتب، بل الدروس التي تُحفر في الروح. تعلّمنا كيف نخفي خوفنا، كيف نضحك حين يجب أن نبكي، وكيف نصمت حين يكون الكلام هو النجاة الوحيدة. تعلّمنا أن التفوق لا يكفي، وأن الطيبة تُكلف كثيرًا، وأن من يُحسن الظنّ يُجرَح أولًا.
في إحدى المرات، رأيت قطعة خبزٍ ملقاةً قرب سور المدرسة. توقفتُ لحظة، تذكرتُ طفولتي، وتذكرتُ القبلة التي كنا نُرسلها إلى السماء. هممتُ أن أنحني لأحملها، لكن أحدهم سخر مني بصوتٍ عالٍ، فضحك الآخرون. سحبتُ يدي بسرعة، شعرتُ بحرارةٍ في وجهي، ومضيت. في تلك اللحظة، لم تسقط قطعة خبز فقط، سقط شيءٌ داخلي ولم أرفعه أبدًا.
مرت السنوات، وصار لكلٍّ منا طريقه. بعضنا اختار السلامة فخسر نفسه، وبعضنا اختار المواجهة فخسر الكثير. شاهدتُ أصدقاء الطفولة يتغيرون: هذا صار قاسيًا بلا سبب، وذاك صار بارعًا في الكذب، وثالث صار خبيرًا في تبرير أخطائه. كنا نُقنع أنفسنا أن الحياة هكذا، وأن البراءة رفاهية لا يملكها إلا الأطفال.
لكنني كنت أعرف، في أعماقي، أن الأمر ليس كذلك. كنت أعرف أننا لم نُجبر على فقدان أرواحنا الطاهرة، بل تركناها تسقط واحدةً تلو الأخرى، ولم ننحنِ لالتقاطها.
في أول وظيفة لي، تعلمت درسًا آخر. رأيت كيف تُدار الأمور، وكيف تُخفى الحقائق، وكيف يُكافأ من يُجيد التظاهر. في البداية قاومت، كنت أقول “لا” حين يجب أن تُقال، وأشعر بالذنب حين أُخطئ. ثم تعبت. التعب يُغير الناس أكثر مما يفعل الشرّ. ومع التعب، بدأتُ أُساير، أُساوم، وأُبرر لنفسي بأن الجميع يفعل ذلك.
ذات يوم، وجدتُ نفسي أظلم شخصًا دون أن أشعر. لم أصرخ، لم أضرب، لم أسبّ، فقط صمتُّ في الوقت الذي كان يجب أن أتكلم. عدتُ إلى البيت تلك الليلة، تذكرتُ الحذاء المقلوب، وتذكرتُ قطعة الخبز، وبكيت. بكيت لأنني عرفتُ أنني صرتُ واحدًا من الكبار الذين كنا نخاف أن نصبح مثلهم.
أمي كانت تقول إن الله يُرسل لنا إشارات صغيرة ليُذكرنا بمن نكون. ربما كانت تلك الإشارات هي تلك الذكريات التي تُداهمنا بلا سبب، أو ذلك الضيق الذي نشعر به بعد تصرّفٍ لا يشبهنا. المشكلة ليست في فقدان الإشارات، بل في أننا تعلّمنا تجاهلها.
رأيتُ طفلًا في الشارع يومًا ما، كان يُعيد ترتيب الأحذية أمام باب مسجد صغير. ابتسمتُ، وشعرتُ بوخزةٍ في قلبي. أردتُ أن أقول له شيئًا، أن أشكره، أن أعتذر نيابةً عن نفسي، لكنني اكتفيتُ بالمراقبة من بعيد. الطفل لم يكن يعرف أنه يُعلمني درسًا، وأنه يُذكرني بروحي التي أضعتها.
أيَّةَ أرواحٍ بريئةٍ طاهرةٍ خسرناها في الطريق؟
خسرنا روح الصدق حين تعلمنا الكذب الأبيض.
خسرنا روح الرحمة حين اعتدنا القسوة باسم الواقعية.
خسرنا روح الخجل حين صارت الوقاحة شجاعة.
وخسرنا روح الإيمان البسيط حين أثقلنا الأسئلة ولم نبحث عن الأجوبة في قلوبنا.
لكن، رغم كل شيء، أؤمن أن الروح لا تموت بالكامل. ربما تتعب، تختبئ، أو تصمت طويلًا، لكنها تنتظر لحظة صدق واحدة لتعود. لحظة ننحني فيها لالتقاط ما سقط منا، ونُعيده إلى مكانه الصحيح.
في ذلك اليوم، حين رأيتُ قطعة خبزٍ أخرى على الأرض، لم أتردد. انحنيتُ، حملتها، وضعتها في مكانٍ عالٍ. لم يُصفق أحد، ولم يسخر أحد. أرسلتُ قبلةً صامتة إلى السماء، وشعرتُ بشيءٍ دافئ يعود إلى صدري. لم أعد طفلًا، لكنني لم أعد ذلك الكبير الذي فقد نفسه أيضًا.
ربما لا نستطيع استعادة كل ما خسرناه، لكننا نستطيع أن نتوقف عن الخسارة. نستطيع أن نختار، كل يوم، أن نكون أقل قسوة، أكثر صدقًا، وأقرب إلى ذلك الطفل الذي كنا نخاف أن نُخيب أمله.
تلك الأرواح البريئة التي خسرناها في الطريق لا تطلب المستحيل، تطلب فقط أن نتذكرها، وأن نُعطيها فرصة جديدة لتعيش فينا، ولو متأخرة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.