حين يتحول العابر إلى قدر، وتولد الأنوثة من قلب الحب، تبدأ الحكاية. قصيدة تأخذك في رحلة شعورية بين السؤال واليقين، والاقتراب الذي لا يُحتمل.
لم يكن في البدء سوى سؤالٍ يتكئ على حافة الصمت،
سؤالٍ يمرّ كنسمةٍ عابرة، لا يلتفت إليه القلب،
ولا تُدوَّن ملامحه في ذاكرة الأيام.
كان رجلًا يشبه الآخرين،
يمشي في الزحام دون أن يترك أثرًا،
كأن وجوده مجرد فاصلة في جملة الحياة الطويلة.
لكن السؤال عاد،
ليس كما كان،
عاد أكثر عمقًا، أكثر حيرة:
ماذا كان؟
وكيف تحوّل العابر إلى معنى؟
اقترب…
والاقتراب لم يكن خطوة،
بل انكسار مسافةٍ بين نبضين.
اقترب فإذا به ليس رجلًا عاديًا،
بل سيّد الحضور،
سيّد النظرة التي تُربك التوازن،
وسيّد الصمت الذي يقول كل شيء دون حروف.
ثم اقترب أكثر…
دون إذن،
دون استئذانٍ من المنطق أو الحذر،
فصار سيّد القلب،
واستقرّ في المساحة التي لا يُسمح لأحدٍ بدخولها.
أما أنا…
فكنتُ قبل ذلك
امرأةً بلا ملامح،
امرأة تمرّ في الشوارع ولا تُرى،
تجلس بين الناس ولا تُنتبه،
تحمل قلبًا مطفأً
وتظن أن الطمأنينة هي غياب الشعور.
كنتُ امرأة تؤدي دورها في الحياة،
تبتسم حين يجب،
وتصمت حين يُطلب منها الصمت،
ولا تعرف أن داخلها قارة كاملة لم تُكتشف بعد.
حتى أحببت…
الحب لم يطرق الباب،
بل كسره.
دخل كعاصفةٍ لا تستأذن،
وقلب كل شيء في مكانه.
ماذا صرتُ بعدها؟
سؤالٌ يشبه الولادة.
لم أعد تلك الظلّة الباهتة،
ولا تلك الملامح المؤجلة.
غدوتُ أنوثةً متوهجة،
أنوثةً تمشي والضوء يتبعها،
وصوت الخطوة يسبقها.
صار للحضور معنى،
وصار للصوت وزن،
وصار للصمت إغراء.
الشغف يتبعني
كما يتبع العطرُ صاحبه،
والوهج يسبقني
كما يسبق الفجرُ الشمس.
وماذا إن حكى؟
آهٍ لو تعلمين ما يفعل صوته…
تتفتح في صدري فراشاتٌ لا تهدأ،
فراشاتٌ من نار وضوء،
تضرب أجنحتها بجدران القلب
كأنها تبحث عن مخرجٍ إلى السماء.
كلماته لا تُقال،
بل تُزرع،
تنمو داخلي حدائق كاملة،
ويفيض الصدر بما لا يُحتمل.
وماذا إن اقترب؟
كيف يُوصف ما لا لغة له؟
كيف تُترجم رعشةٌ
تسبق اللمسة؟
كيف يُشرح زلزالٌ
لا يُسقط جدرانًا
بل يعيد ترتيب الروح؟
لا أعلم…
وكل ما أعرفه
أن حضوره يشعلني.
ليس نارًا تحرق،
بل نارًا توقظ.
نارًا تُذكّرني
أنني حيّة،
أن الدم ليس مجرد عادة،
وأن القلب خُلق ليخفق لا ليصمت.
يوقظ نارًا
لو احتضنتُ ركوة قهوة
لفاضت غليانًا من حرارتي،
ولما احتاج الماء إلى نارٍ
كي يبلغ غايته.
هو لا يفعل شيئًا،
لا يبالغ،
لا يعد،
ولا يتعهد.
مجرد وجوده
كافٍ ليعيد تعريف الأشياء.
الوقت معه ليس ساعات،
بل نبضات.
والغياب عنه ليس مسافة،
بل وجعًا صامتًا.
وماذا كان؟
كان سؤالًا…
ثم صار إجابة.
كان رجلًا عابرًا،
ثم صار وطنًا مؤقتًا،
ثم صار قلبًا دائم الإقامة.
أما أنا…
فلم أعد أسأل من أكون،
لأن الحب
حين يمرّ بك
يكتب اسمك
بخطٍ لا يُمحى.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.