ماذا لو نسيت كل شيء، لكنك لم تنسَ كيف تكون إنسانًا؟ هذه قصة واقعية دافئة عن رجل سرق الزهايمر ذاكرته، وترك له قلبًا يفيض بالكرم.
في حيٍّ قديمٍ هادئ، تتشابك فيه الأزقة كما تتشابك الذكريات في رؤوس الشيوخ، كان يعيش رجل يُدعى سعيد. لم يكن اسمه مجرّد مصادفة؛ فقد كان يومًا ما أكثر الناس بهجة، وأشدّهم حضورًا في مجالس الأصدقاء، وأصدقهم ذاكرةً للتفاصيل الصغيرة. غير أنّ الحياة، كعادتها، لا تُبقي الأشياء على حالها.
في أواخر الستين من عمره، طرق الزهايمر باب عقل سعيد دون استئذان، وأخذ يبعثر الأيام كما تُبعثر الريح أوراق الخريف.
لم يكن سعيد يعيش وحيدًا تمامًا، لكنه كان وحيد الذاكرة. الجدران تعرفه، والكراسي تحفظ جلسته، ورائحة الشاي لا تزال تسكن المطبخ، لكن الأسماء، والمواعيد، وحتى الأمس القريب، كانت تتسرب من عقله كالماء من بين الأصابع.
ومع ذلك، ظلّ سعيد متمسكًا بعاداته القديمة، وأهمها: الكرم. كان يرى في تقديم الشاي فعلَ محبةٍ قبل أن يكون واجب ضيافة، وكأنّه آخر ما تبقّى من هويته.
في صباح يومٍ دافئ، قرّر سعيد أن يدعو صديقين قديمين لزيارته: محمود وعبدالله. كانا رفيقي درب منذ سنوات الشباب، تشاركوا العمل والضحك والأحلام، ثم تشاركوا المرض أيضًا. كلاهما كان مصابًا بالزهايمر، لكن بدرجات مختلفة، وكأن القدر أراد أن يجمعهم مرة أخرى، لا ليتذكروا الماضي، بل ليتقاسموا النسيان.
حين طرق محمود الباب، فتح سعيد وهو يبتسم ابتسامة واسعة، تلك الابتسامة التي تسبق الذاكرة أحيانًا.
قال سعيد بحماس:
– أهلاً وسهلاً! تفضلوا… البيت بيتكم.
نظر محمود إلى عبدالله، ثم دخلا، وهما غير متأكدين إن كانا قد زارا هذا البيت من قبل أم لا.
جلس الثلاثة في غرفة الجلوس. كانت الغرفة مرتبة بعناية، كما لو أن سعيد يحاول تعويض فوضى عقله بترتيب المكان. صور قديمة معلقة على الجدران، بعضها لسعيد شابًا، وبعضها لأشخاص لم يعد يعرف أسماءهم، لكنه يشعر نحوهم بدفء غامض.
بدأ الحديث متقطعًا، جملٌ تبدأ ولا تنتهي، ضحكات تأتي بلا سبب واضح، وأسئلة تتكرر دون خجل.
قال سعيد فجأة:
– سأحضر لكم الشاي.
نهض واتجه إلى المطبخ، وكأن هذه الجملة محفوظة في ذاكرته أكثر من أي شيء آخر.
بعد دقائق عاد يحمل صينية عليها ثلاثة أكواب شاي.
– تفضلوا.
شربوا الشاي، وتبادلوا بعض الكلمات عن الطقس، ثم ساد صمت قصير.
قطع الصمتَ سعيد قائلاً:
– هل تحبون الشاي بالنعناع أم بالسكر فقط؟
رد محمود وهو يبتسم:
– كما تحب أنت يا سعيد.
مرّت دقائق أخرى، ثم قال سعيد مرة ثانية:
– سأحضر لكم الشاي.
نظر محمود وعبدالله إلى بعضهما بدهشة خفيفة، لكنهما لم يعترضا. نهض سعيد وأحضر الشاي مرة أخرى. شربوه بصمت، وكأن التكرار صار أمرًا طبيعيًا.
في تلك اللحظات، لم يكن أحدهم يدرك كم مرّ من الوقت. الساعة على الحائط كانت تشير إلى الرابعة، أو الخامسة، أو ربما كانت متوقفة منذ أيام.
فجأة، ضرب سعيد كفًّا بكف وقال:
– يا إلهي! منذ ساعة ونحن نتحدث، ونسيت أن أحضر لكما الشاي!
وقف مسرعًا، وذهب إلى المطبخ للمرة الثالثة.
ضحك محمود ضحكة قصيرة، وقال لعبدالله:
– أظن أننا سنغرق في الشاي اليوم.
هزّ عبدالله رأسه، لكنه لم يكن متأكدًا مما قاله محمود، ولا مما يقصده بالضبط.
عاد سعيد بالشاي مرة ثالثة، وكأنه يقدّمه لأول مرة.
– تفضلوا…
شربوا، ثم جلسوا يتأملون بعضهم بعضًا، دون أن يعرفوا لماذا يشعرون بهذا الأنس الغريب، كأن بينهم رابطة لا تحتاج إلى ذاكرة.
حين حلّ المساء، نهض محمود وقال:
– أظن أننا يجب أن نغادر.
وافق عبدالله، رغم أنه لم يكن متأكدًا أين سيذهب بعد ذلك.
ودّعهم سعيد عند الباب بحرارة، وقال:
– لا تطيلوا الغياب، البيت بيتكم.
خرج الصديقان وسارا في الشارع ببطء. بعد خطوات قليلة، قال محمود:
– تخيّل أننا قضينا كل الأمسية عند سعيد، ولم يقدم لنا كوب شاي واحد!
توقف عبدالله، نظر إليه متعجبًا، وقال:
– سعيد؟! هل زرنا بيت سعيد اليوم أصلًا؟!
في تلك اللحظة، فتح سعيد نافذته، وأطلّ برأسه وهو يلوّح بيده:
– والله عيب عليكما، تمرّان من أمام بيتي ولا تدخلان لتشربا الشاي؟!
نظر الصديقان إلى بعضهما، ثم عادا أدراجهما دون نقاش. دخلوا البيت مرة أخرى، وجلسوا… ليشربوا الشاي.
لم تكن تلك الليلة استثناءً في حياة سعيد، بل كانت صورة مكثفة لمعاناته اليومية. في الصباح التالي، استيقظ وهو يشعر بأن البيت غريب بعض الشيء، وكأنه زائر فيه. فتح الخزانة ليبحث عن ثيابه، فوجد أكواب الشاي مصطفّة، أكثر مما يحتاجه إنسان واحد.
تمتم لنفسه:
– يبدو أنني أحب الشاي كثيرًا…
في الأيام اللاحقة، صار الجيران يلاحظون شيئًا مختلفًا. كانوا يرون محمود وعبدالله يدخلان بيت سعيد ويخرجان منه، وأحيانًا يعودان بعد دقائق.
قال أحد الجيران:
– هؤلاء الرجال لا يعرفون أين هم.
رد آخر:
– لكنهم يبدون سعداء، أليس كذلك؟
كانت ابنة سعيد، ليلى، تزوره مرة كل أسبوع. كانت تحاول مساعدته، تنظيف البيت، وترتيب الأدوية، وكتابة ملاحظات صغيرة على الثلاجة.
ذات مرة سألته:
– هل زارك أحد هذا الأسبوع؟
أجاب وهو يفكر طويلًا:
– أظن ذلك… كانوا لطفاء، وشربنا الشاي.
ابتسمت ليلى بحزن، وقالت:
– هذا يكفي يا أبي.
كانت ليلى تدرك أن ذاكرة والدها لن تعود، لكنها كانت تؤمن بأن المشاعر لا تُصاب بالزهايمر. قد ينسى الأسماء، والوجوه، والوقائع، لكنه لا ينسى كيف يكون إنسانًا.
مرت الشهور، وبدأ المرض يشتد. صار سعيد ينسى طريق المطبخ أحيانًا، لكنه حين يجد نفسه هناك، كان يعرف تمامًا ماذا يفعل: يغلي الماء، يضع أوراق الشاي، ويعدّ الأكواب.
كأن روحه تعلّمت طريقها الخاص، بعيدًا عن العقل.
في أحد الأيام، جلس سعيد وحده، ينتظر ضيوفًا لا يعرف متى دعَاهم. نظر إلى الكراسي الفارغة، ثم قال بصوت مسموع:
– سأحضر لكم الشاي.
وقف، أحضره، ووضع الأكواب أمام كراسٍ خالية. جلس، وابتسم، وشرب.
العبرة والحكمة:
قد يأخذ المرض الذاكرة، لكنه لا يستطيع أن يأخذ النية الطيبة، ولا القدرة على العطاء. نحن لا نُقاس بما نتذكره فقط، بل بما نمنحه للآخرين، حتى وإن نسينا أننا منحناه من قبل. وفي عالمٍ يزداد قسوةً، قد يكون تكرار الخير، حتى دون وعي، أعظم أشكال الإنسانية.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.