حين يصبح القرب عبئًا، والليل شاهدًا على ما لا يُقال، تولد هذه القصيدة من قلب امرأة اختارت الصمت، وكتبت وجعها كي لا يضيع صوتها إلى الأبد.
قالت لي…
قالت لي، وهي تُحدّق في ساعةٍ متعبة على الجدار،
إن الليل حين يطول لا يسأل عن الحق،
وإن الجسد قد يكون حاضرًا بكامل دفئه،
بينما الروح غائبة…
غائبة كرسالةٍ لم تجد عنوانها.
قالت لي إنها تكتب في ساعةٍ متأخرة،
لا لأن الوقت يسمح،
بل لأن الصمت يضيق،
ولأن النوم الذي يجاورها لا يشبه النوم،
يشبه هدنةً قسرية بين قلبٍ يتألم
وجسدٍ يسلّم نفسه كي لا يُسأل.
قالت لي:
ينام بقربي رجلٌ يعتقد أن الامتلاك يتمّ باللمس،
وأن القرب يُقاس بعدد الأنفاس المشتركة،
ولا يعرف أنني خرجت من جلدي منذ زمن،
وأن ما يضمه الآن ليس أنا،
بل ظلّ امرأةٍ كانت هنا يومًا.
قالت إن روحها تُسحب ببطء،
ليس كالموت السريع،
بل ككسرٍ متعمّد،
كأن أحدهم يخشى أن تموت دفعة واحدة،
فيُفتّتها على مهل،
حتى تسمع صوت التشقّق في أعماقها،
وتشعر بأن أجزاءها تتناثر داخل صدرها
كزجاجٍ داسته الأيام بلا رحمة.
قالت لي:
لم أعد أبكي، فالبكاء يحتاج مساحة،
وأنا محشورة بين نَفَسٍ أُجبره على البقاء
حتى لا أنهار،
وبين نَفَسٍ أخاف أن أطلقه،
لأن اسمه قد يخرج مع الهواء،
واسمك لا يجوز أن يُقال هنا.
قالت إن القوة التي لبستها سنوات
سقطت الليلة عن كتفيها،
وأنها اكتشفت أن الصلابة
ليست سوى قناعٍ نضعه
حتى لا نُسأل عن الهشاشة.
لكن الضعف لا يستأذن،
يدخل من الصدر مباشرة،
ويجلس حيث كنا نخبئ أحلامنا.
قالت لي:
بعد أن غفا،
شعرت بأنها شيءٌ مُستَهلَك،
لا امرأة، ورقة نُزِع حبرها،
ثم تُركت على الطاولة
دون أن يلتفت أحد إلى معناها.
وتساءلت بصوتٍ مكسور:
كم وجعًا يستطيع قلبٌ واحد أن يحمل
دون أن يسقط؟
قالت إنها كانت تريدني أن أشعر بها،
أن تصل كلماتها إليّ
ككفٍ ترتجف في العتمة،
تبحث عن ظلّها
في عالمٍ يزداد برودةً كل يوم.
قالت إنها اختارت الصمت تلك الليلة
لا حكمةً،
بل خوفًا من أن تخون نفسها مرةً أخرى.
كل شيءٍ فيها يشبه الخراب،
صدرها مدينةٌ أصابتها الغارات،
عقلها رصيفٌ مهجور
لم يعد ينتظر أحدًا،
وحدتها غصنٌ سقط من شجرته
ولم يجد أرضًا تحتضنه،
وقلبها بابٌ ضُرب بعنف
حتى انخلع من مكانه.
قالت لي:
كيف ينام إنسانٌ بطمأنينة
بينما تَرتجف روحٌ إلى جواره؟
وكيف استطعتَ أنت،
دون أن تلمسني،
أن توقظ كل شيءٍ فيّ،
بينما من يشاركني الفراش
أطفأ كل شيء؟
قالت إنها لا تكتب لتنتظر ردًا،
بل لأن الصمت إذا طال
يبتلع الصوت،
ويجعل الألم بلا اسم.
قالت:
أنا موجوعة،
وجعي ليس صرخة،
بل صوت زجاجٍ يُسحق تحت الأقدام،
مدينة بلا كهرباء،
امرأة تضع يدها على قلبها كل ليلة
وتهمس لنفسها:
تماسكي…
حتى يطلع الصباح.
ثم صمتت قليلًا،
وقالت:
لكن أي صباح؟
وأنا أعرف أن النهار لن يبدّل شيئًا،
وأن الليل سيعود،
وسأعود معه إلى السؤال ذاته:
لماذا أنت هناك…
ولست هنا؟
وبين كل كلمةٍ وكلمة،
كنتُ أسمعها أكثر مما أقرأها،
وأدركت أن بعض الرسائل
لا تُكتب بالحبر، بل بالنجاة المؤجلة،
وأن بعض النساء يعشن عمرًا كاملًا
وهنّ ينتظرن مكانًا
يشبه أرواحهن.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.