ويأتيني صوتك من بعيد،
كأنه وحيُ مساءٍ ضلَّ طريقه في صدري،
يمشي على مهلٍ بين نبضٍ وحنين،
لا يستأذن القلب،
ولا يطرق باب الذاكرة،
بل يدخل كما يدخل الضوء من شقوق الروح،
هادئًا… عميقًا… ومقيمًا.
ويأتيني صوتك،
لا كصوتٍ عابر،
بل كلحنٍ وُلِد قبل الكلمات،
حين كانت المشاعر تُقال بالصمت،
وحين كان الاشتياق لغةً مكتملة
لا تحتاج إلى ترجمة.
صوتك ليس موجة،
بل بحرٌ كامل،
إذا اقترب غمرتني مياهه،
وإذا ابتعد ترك الملح في عيني
وشيئًا من الغرق في القلب.
يعزف على أوتار قلبي،
وتلك الأوتار لم تُخلق للموسيقى،
بل خُلقت لك،
لأجل ارتجافةٍ لا تُرى،
ورعشةٍ لا يسمعها أحد سواي.
كل وترٍ يعرف اسمه حين تنطق،
وكل نبضةٍ تتهيأ
كأنها تنتظر إشارة البدء
منك وحدك.
فترتجف أوصالي،
لا خوفًا ولا بردًا،
بل دهشةً من هذا الحضور
الذي لا يُمسك باليد
ولا يُرى بالعين،
لكنه أثقل من الغياب،
وأصدق من الحقيقة.
ترتجف الروح أولًا،
ثم يتبعها الجسد،
وكأنني قصيدة
تُكتَب الآن
على إيقاعك.
وكأنها ترقص على لحنك،
لا رقص الجسد،
بل رقص المعنى،
حين تتحرر الفكرة من قيدها،
وحين تترك المشاعر مقاعدها
وتقف جميعها
تصفق لصوتك.
حتى حزني،
ذلك العتيق المقيم في الزوايا،
ينهض مترددًا
ويشارك في هذا الرقص،
ثم يذوب
كقطعة سكرٍ في فنجان قهوتك.
ويأتيني صوتك،
في الطرقات الطويلة،
حين أكون محاطًا بالضجيج
ولا أسمع أحدًا.
يأتيني في زحام الأفكار،
فينسحب التعب بهدوء،
وتجلس الطمأنينة مكانه.
يأتيني حين أكون أقرب للانكسار،
فيصير الانكسار احتمالًا مؤجلًا،
وتصير القوة ذكرى صوتك.
صوتك ليس مجرد نغمة،
هو زمنٌ آخر،
حين أسمعه
أخرج من ساعتي،
ولا أعرف هل مضت دقيقة
أم مرَّ عمر.
هو نافذةٌ تُفتح
على طفولة الشعور،
حيث الأشياء أبسط،
والحب لا يحتاج تفسيرًا،
والقلب لا يعرف الحذر.
أعرف صوتك
حتى لو تنكّر في الصمت،
حتى لو ارتدى ثوب الغياب.
أعرفه من ارتباك أنفاسي،
ومن الطريقة التي ينسحب بها الليل
حين يمر في خاطري.
أعرفه لأنه الوحيد
الذي يربكني
دون أن يؤذيني،
ويأسرني
دون أن يقيدني.
ويأتيني صوتك،
فيحاور قلبي
كما لو كانا صديقين قديمين،
يتبادلان الأسرار
دون خوف من الخيانة.
يخبره عنك،
عن تفاصيلك الصغيرة
التي لا يعرفها أحد،
عن ضحكتك حين تتعب،
وعن صمتك حين تحب،
فيبتسم القلب
وكأنه عثر على وطنه.
صوتك
ليس وعدًا ولا سؤالًا،
هو حالة.
حين أسمعه
لا أبحث عن إجابة،
ولا أطالب بالمزيد،
يكفيني أن أكون
في هذه المسافة بين النغمة والنبض،
حيث لا شيء مطلوب
سوى أن أكون أنا
كما أنا،
مفتوحًا على الإحساس.
ويأتيني صوتك من بعيد،
لكن أثره أقرب من دمي،
أقرب من اسمي،
أقرب من مرآتي.
يأتي
ويعيد ترتيب الفوضى داخلي،
يعلّق القلب في مكانه الصحيح،
ويهمس للروح:
لا تخافي،
هذا اللحن يعرف الطريق.
وفي كل مرة يأتيني،
أفهم أن المسافة وهم،
وأن القرب
ليس خطوةً ولا يدًا،
بل ارتجافة
حين يذكرنا صوتٌ
بأننا ما زلنا
نحس…
نرتجف…
ونرقص
على لحنٍ واحد.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.