قصص وحكايات

لم أعد أتحمّل الغياب | قصيدة

حين يصبح الغياب أثقل من الصمت، وحين تعجز الكلمات عن احتواء الوجع، تولد هذه القصيدة من قلبٍ لم يعد يحتمل أكثر، لتروي حكاية فراقٍ ترك الروح معلّقة بين الذكرى والانتظار.

لم أعد أتحمّل الغياب | قصيدة

القصيدة

لم أعد أتحمّل هذا الصباح
الذي يجيء ناقصًا منذ رحيلك،
كأن الضوء يتعمّد أن يكون باهتًا
حين يمرّ من نافذتي، وكأن الشمس نفسها
تتردد قبل أن تلامس وجهي
خوفًا من أن تفضح ما أخفيه.

أمشي في الوقت
ولا أصل،
أعدّ الساعات كما يعدّ الغريق
أنفاسه الأخيرة، وأتظاهر بالقوة
بينما داخلي يتآكل ببطء
كجدارٍ قديمٍ
تنهشه الرطوبة دون صوت.

لم أعد أتحمّل
هذا الصمت الذي يشبهك،
ولا الغياب الذي صار
أثقل من قدرتي على الاحتمال،
ولا صدى صوتٍ
يذوب في ليلٍ ثقيل
ويعود إليّ مكسورًا
كأنّه لم يعد يعرف الطريق.

كلُّ الطرقات بلا ملامح، بلا أمان،
أمشيها وأنا أحمل اسمي
كحقيبةٍ فارغة، لا وجهة لي
إلا الذكريات التي تفتح أبوابها
كلما حاولتُ الهرب.

تسير بي الخطوات
نحو فراغٍ يقتلني بلا حنان،
فراغٍ يشبه المسافات بيننا،
تلك التي لم تُقاس بالأميال
بل بالخذلان
والانتظار الطويل.

أحادث نفسي كثيرًا
لأنك لم تعد هنا،
أقنعها أنك مسافر فقط،
أنك ستعود ذات مساء
وتضحك من كل هذا الألم،
لكنّ المرآة لا تكذب،
وعيناي تفضحان الحقيقة
كلما تهرّبتُ منها.

رحلتَ،
وتركتني بين أنفاسي أفتّش عنك،
أبحث عنك في تفاصيل الأشياء الصغيرة،
في فنجان قهوةٍ بارد،
في أغنيةٍ قديمة،
في شارعٍ كنا نعبره معًا
دون أن ندرك
أن الفراق كان يراقبنا من بعيد.

فما وجدتُ
سوى وجعٍ ينهش قلبي
ويبكيني بصمت، وجعٍ لا يصرخ
لكنه لا يهدأ، كوجعٍ تعلّم الصبر
حتى صار جزءًا من الروح.

لم أعد أتحمّل
أن أُعيد الحكاية وحدي،
أن أكون الراوي والمستمع
والبطل المهزوم في آنٍ واحد،
أن أشرح للغياب
كيف كنتَ هنا
وكيف صرتَ ذكرى.

لم أعد أتحمّل
أن أكتب اسمك
على جدار صمتي، ثم أمسحه
خشية أن يراه أحد
فيعرف أنني ما زلتُ
أحبك رغم كل شيء.

كنتَ وطنًا صغيرًا
أسكنه بلا خوف، وحين رحلتَ
صرتُ لاجئًا في قلبي،
أبحث عن مأوى بين نبضٍ مكسور
وحلمٍ لم يكتمل.

الفراق نارٌ،
والروح رمادٌ يتناثر، لا يموت تمامًا
ولا يبقى حيًا، يتبعثر في الريح
كأنّه يبحث عن شكله الأول
قبل أن يحترق.

القلب يصرخ:
لم أعد أتحمّل أكثر،
لكن الصوت يبقى حبيسًا
بين الضلوع، يخشى الخروج
كي لا يتحوّل إلى اعتراف
بأنك كنت كل ما أملك
وكل ما فقدت.

علّمتني الغياب
أن بعض الرحيل
لا يُنسى، وأن بعض الأسماء
لا تُمحى مهما مرّ الوقت،
وأن الصبر ليس دائمًا فضيلة
بل أحيانًا
عادة مؤلمة.

ما زلتُ أقف
في منتصف الحكاية، لا بداية جديدة
ولا نهاية واضحة، فقط قلبٌ
يحاول أن يتعلّم
كيف يعيش
دونك.

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.