كانت بيل أميرةً فريدةً من نوعها، لا تُشبه الأميرات الأخريات. كانت جميلة الملامح، لكنها لم تبالغ في الاهتمام بمظهرها بقدر ما كانت تهتم بروحها وعقلها. كانت تقضي معظم وقتها في مكتبة القصر، تقرأ عن العوالم البعيدة، وعن السحر، وعن قِصصٍ تتحدث عن الحب الذي يتجاوز الشكل والمظاهر.
كان الناس في المملكة يهمسون عنها دائمًا، يقولون:
"إنها غريبة الأطوار!"
"تفضل الكتب على الحفلات!"
"كيف لأميرة أن تهمل حضور المهرجانات؟"
لكن بيل لم تكن تهتم بتلك الأحاديث. كانت ترى أن الجمال الحقيقي هو جمال القلب والفكر، لا جمال الثوب أو المظهر.
وفي أطراف تلك المملكة، في عمق الغابة المظلمة، كان هناك قصرٌ ضخمٌ مغطى باللبلاب والأشواك. لا أحد يجرؤ على الاقتراب منه، فقد كان يُقال إنّ وحشًا مرعبًا يسكنه، مخلوقًا ضخمًا بعيونٍ متقدة وصوتٍ يهزّ الأرض حين يتكلم.
لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا مما تخيّلها الناس.
ذلك الوحش كان في الأصل أميرًا وسيماً اسمه "أدرين"، أُصيب بلعنةٍ سحريةٍ من ساحرةٍ عجوزٍ بعد أن رفض مساعدتها حين كانت تحتاج المأوى. حولته اللعنة إلى مخلوقٍ بشع المظهر، وأُغلقت أبواب القصر عليه، ولم يبقَ له سوى خدمه الذين تحوّلوا بدورهم إلى أدواتٍ مسحورةٍ: ساعة تتكلم، وشمعدان يضحك، ومكنسة ترقص.
قالت له الساحرة قبل أن تختفي:
"لن تُكسر اللعنة إلا حين يحبّك أحدٌ رغم مظهرك، وتبادله حبًا صادقًا قبل أن تذبل آخر أوراق الزهرة السحرية."
كانت تلك الزهرة هي قلب السحر ذاته، تتفتح في قبةٍ زجاجية وسط القصر، وكلما مرت سنة ذبلت إحدى أوراقها.
ذات يومٍ عاصف، خرج والد بيل، وهو صانع آلاتٍ ومخترعٌ بسيط، في رحلةٍ عبر الغابة ليعرض اختراعه في السوق البعيد. لكن الرياح اشتدت، والضباب غطّى الطريق، حتى وجد نفسه تائهًا وسط العاصفة.
بينما كان يبحث عن مأوى، لمح أضواءً خافتة تتلألأ بين الأشجار، فاقترب بحذرٍ ليجد القصر المهجور.
دخل الأب القصر طلبًا للدفء، فتفاجأ بأن الأبواب تُفتح من تلقاء نفسها، وأن طاولة الطعام مُعدةٌ كما لو كانت تنتظره. جلس يأكل بامتنان، لكنه ما إن مدّ يده إلى وردةٍ جميلةٍ في الحديقة ليأخذها هديةً لابنته، حتى اهتزت الأرض بصوتٍ غاضب:
"كيف تجرؤ على سرقة زهرتي؟!"
ظهر الوحش من بين الظلال، عيونه تلمع كالنار، وصوته كالزئير.
توسّل الأب إليه أن يعذره، لكنه لم يسمع سوى صدى صرخاته في أرجاء القصر.
حين تأخر والدها ولم يعد، قررت بيل البحث عنه. امتطت حصانها واتجهت إلى الغابة رغم تحذيرات الجميع. وبعد رحلةٍ طويلةٍ مليئةٍ بالخوف والثلوج، وصلت إلى القصر الذي بدا وكأنه يحدّق بها بعينيه.
دخلت بخطواتٍ مترددة، حتى وجدت والدها مسجونًا في قبوٍ باردٍ.
صرخت بيل في وجه الوحش:
"أطلق سراحه! هو لم يقصد الإساءة إليك!"
أجابها بصوتٍ عميقٍ يختلط فيه الحزن بالغضب:
"لقد خرق قوانين قلعتي، والثمن هو البقاء!"
حينها، اتخذت بيل قرارًا غيّر مصيرها إلى الأبد:
"خذه حُرًا... وسأبقى أنا مكانه!"
صُدم الوحش من شجاعتها، لكنه قبل عرضها، وأمر بإطلاق سراح والدها فورًا.
وهكذا بدأت حكاية بيل والوحش.
كانت الأيام الأولى ثقيلةً ومليئةً بالصمت.
الوحش كان غليظ الطباع، سريع الغضب، قليل الكلام، لكن بيل لم تكن تخاف منه. كانت تنظر إلى عينيه فتلمح شيئًا من الألم والندم أكثر من القسوة.
وبينما كانت تتجول في القصر، تعرفت على الخدم المسحورين، الذين كانوا يحاولون التخفيف عنها وإقناعها بأن الوحش ليس كما يبدو. كانوا يأملون أن تكون بيل هي تلك التي تكسر اللعنة أخيرًا.
مع مرور الوقت، بدأ الوحش يقترب منها بطريقةٍ غريبة. كان يُحضر لها الكتب من مكتبته الخاصة، ويساعدها في قراءة الأساطير القديمة. كان يحاول أن يتحدث بلطف، رغم أنه لم يعتد ذلك من قبل.
ذات يومٍ، وبينما كانت تقرأ له قصةً عن فارسٍ أنقذ أميرةً، ضحكت وقالت:
"ربما يومًا ما ستصبح أنت الفارس الذي ينقذ الأميرة!"
ابتسم الوحش ابتسامةً خفيفة وقال:
"ربما... لكن ليس بهذا الشكل."
شعرت بيل في تلك اللحظة أن خلف ذلك المظهر الوحشي قلبًا نقيًا يحتاج فقط إلى من يفهمه.
في إحدى الليالي، تسللت بيل إلى القاعة الكبرى لتبحث عن سر القصر. هناك، رأت القبة الزجاجية التي بداخلها زهرة حمراء تتلألأ بضوءٍ غريب. اقتربت منها ببطءٍ ورفعت الغطاء الزجاجي.
وقبل أن تلمسها، سمع الوحش صوتها فهرع إليها غاضبًا:
"لا تلمسيها!"
تراجعت بيل بخوفٍ وارتباك، وقالت:
"كنت فقط... أريد أن أعرف سرها."
جلس الوحش صامتًا، ثم قال بصوتٍ مبحوح:
"إنها آخر ما يربطني بإنسانيتي... حين تذبل آخر أوراقها، سأنتهي."
في تلك اللحظة، لم ترَ بيل أمامها وحشًا، بل إنسانًا مكسورًا ينتظر الخلاص.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت تُعامله بحنانٍ أكبر، وأصبحت صداقتهما تزداد يومًا بعد يوم، حتى صار بينهما رابطٌ خفيّ لا يمكن تفسيره.
لكن السعادة لا تدوم طويلًا.
في القرية، سمع جاستون — ذلك الصيّاد المغرور الذي كان يرى نفسه الأجدر بكل شيء — بأن بيل تعيش في قصر الوحش. غضب وقرر أن يُثبت للجميع أنه البطل المنقذ، وأن بيل يجب أن تكون له وحده.
بدأ يُثير الناس ضد الوحش، يُشيع أنه خطرٌ على المملكة وأنه يجب قتله قبل أن يهاجم القرية.
وفي قلبه، كان الحسد والغضب يغليان، ليس لأنه يخاف على بيل، بل لأنه لا يتحمل فكرة أن تفضل فتاةٌ مثقفةٌ مخلوقًا غريبًا عليه.
في إحدى الليالي الممطرة، خرج الوحش من القصر ليجلب لبيل زهرةً نادرةً من الغابة، يقال إنها تملك قوى شفاءٍ عظيمة، بعدما أصيبت بحمى قوية نتيجة البرد.
وبينما كان غائبًا، اقتحم جاستون القصر مع مجموعةٍ من القرويين المسلحين.
وجد بيل مريضةً وضعيفة، وحاول إقناعها أن تترك الوحش وتعود معه. لكنها صرخت في وجهه قائلة:
"الوحش أكثر إنسانيةً منك يا جاستون!"
غضب جاستون ورفع سيفه مهددًا الخدم المسحورين، لكنه لم يكن يعلم أن الوحش قد عاد ومعه الزهرة السحرية.
دارت معركةٌ شرسةٌ بين جاستون والوحش على سطح القصر، وسط البرق والرعد.
في النهاية، سقط جاستون في الهاوية، بعدما حاول طعن الوحش غدرًا، وانتهى شره إلى الأبد.
عاد الوحش جريحًا إلى بيل، والزهرة في يده، وقد ذبلت آخر أوراقها. جلس بجانبها وقال بصوتٍ متقطع:
"الآن… حتى لو لم أنجُ، يكفيني أنني عرفتكِ."
أمسكت بيل يده ودموعها تسيل، وهمست:
"لا تقل ذلك، أنت لست وحشًا... أنت قلبي."
في تلك اللحظة، أضاءت الزهرة بنورٍ ساطعٍ ملأ القصر كله.
ارتفعت الرياح، وتطاير الضوء حول الوحش، ليتحوّل جسده شيئًا فشيئًا إلى بشرٍ من جديد.
كانت الدهشة تغمر بيل وهي ترى الأمير الوسيم أدرين أمامها، بنفس العيون التي أحبّتها من قبل.
ابتسم وقال:
"لقد أنقذتِني، يا بيل... لقد حررتِ قلبي."

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.