قصص وحكايات

رواية بين أيدي القدر | الجزء الأول

في صباحٍ بسيط من قرية هادئة، يبدأ القدر بنسج خيوطه حين ينسكب قدر الحليب… لا تعلم “أم مريم” أن تلك اللحظة ستقودها لاكتشاف سرٍ مدفون سيغيّر حياتها إلى الأبد.

رواية بين أيدي القدر | الجزء الأول

الفصل الأول

استيقظتُ مع خيوط الفجر الأولى، على صوت الديك وهو يعلن ميلاد يومٍ جديد في قريتنا الصغيرة، تلك القرية التي ما زالت تنبض برائحة الطين والقمح، وتستيقظ على نداء المؤذن وصوت الأواني وهي تتصادم في مطابخ النساء.
كنتُ دائمًا أحب هذا الوقت من اليوم، حين تتسلّل أشعة الشمس بخجل من نافذة مطبخي الخشبية، فتداعب وجه ابنتي الصغيرة “مريم” وهي ما تزال تحتضن وسادتها المصنوعة من القطن.

فتحتُ باب البيت الطيني لأدع نسيم الصباح يدخل، ومعه صوت جاري “أبو فارس” ينادي من بعيد:

– صباح الخير يا أم مريم، هل أعددتِ اللبن اليوم؟
ابتسمتُ وأنا أمسح يدي في مئزري القطني وقلت:
– صباح النور يا جار، الحليب على النار، رائحته تملأ الدار.
ضحك أبو فارس وقال وهو يربط حمارَه قرب الساقية:
– كعادتكِ، بيتكِ يسبقنا دائمًا برائحة الخير.

في تلك اللحظة خرج كلبنا الصغير “رعد” من وراء الباب، يهز ذيله بسعادة، يدور حولي كأنه يرقص على وقع خطواتي، فمدّت مريم يدها الصغيرة تمسح على رأسه وهي تقول بصوتها العذب:

– صباح الخير يا رعد، هل اشتقتَ لي؟
فأجابها بنباحٍ خفيف، وكأنه فهم السؤال تمامًا.

أعددتُ الحليب على نار الحطب، وكنتُ أراقب الدخان وهو يتصاعد برشاقة كأنه خيوط من دعاء، ثم التفتُّ لأبحث عن مريم فلم أجدها في المطبخ. ناديتها:

– مريم؟ أين ذهبتِ يا بنتي؟
لكن لم يصلني صوتها، سوى خرير الماء من الإبريق.

اقتربتُ من القدر أحرّكه بعصا خشبية، وكنتُ أهمّ بصبه في الإبريق حين سمعت فجأة صوت ارتطام وصرخة صغيرة تلتها لحظة صمت...
التفتُّ بسرعة، فإذا بمريم واقفة خلفي والقدر مائل، والحليب الأبيض ينسكب ببطء على الأرض الطينية، كأنه نهر صغير من الخسارة.

نظرتُ إليها، كانت عيناها ممتلئتين بالخوف، والكلب “رعد” يلعق أطراف الحليب المنسكب ببراءة.
لم أصرخ... لم أغضب... فقط جلستُ على ركبتيّ ومسحتُ الأرض بقطعة قماش، وأنا أتنهد بعمق.

– لا بأس يا مريم، الحليب يُعوض، لكن قلب الأم حين يفزع... يصعب أن يُرمم.
اقتربتْ مني بخطواتٍ مرتجفة، ودمعتها تتدحرج على خدها الوردي:
– سامحيني يا أمي، كنتُ أريد أن أساعدك.
احتضنتُها بقوة، وقلتُ وأنا أبتسم رغم غصة قلبي:
– المساعدة الحقيقية يا صغيرتي أن تبتسمي الآن، لقد بدأ يومنا، ولن ندعه يُفسد بسبب قدرٍ من الحليب.

كانت تلك اللحظة بداية يومٍ سيغيّر حياتي، لم أكن أعلم أن "انسكاب الحليب" لم يكن سوى رسالة خفية من القدر...

الفصل الثاني

لم يمضِ وقت طويل بعد أن مسحتُ الأرض ورتبت المطبخ من جديد، حتى سمعتُ طرقاتٍ خفيفة على الباب.

– من الطارق؟
جاءني صوتٌ أعرفه تمامًا، ناعم لكنه يحمل لهفة نساء الريف حين يأتين بخبرٍ جديد:
– افتحي يا أم مريم، أنا أم فارس.

فتحتُ الباب، فدخلت وهي تمسك بطرف شالها المطرّز، تتنفس بسرعة كأنها قطعت نصف القرية ركضًا.

– صباح الخير، يا بنت الحلال!
– أهلاً وسهلاً، تفضلي، البيت بيتك. ما بكِ؟ وجهكِ شاحب كأنكِ رأيتِ شبحًا.
جلست على الحصير وأخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
– لا شبح ولا همّ، لكني سمعت خبرًا قلب القرية رأسًا على عقب.

رفعت حاجبي بدهشة:

– خيـر؟
خفضت صوتها كأنها تخشى أن يسمعها أحد:
– المختار قرر أن يبيع أرض "الطاحونة" القديمة.
وقفتُ فجأة دون أن أشعر، كأن الأرض انسحبت من تحت قدمي:
– الطاحونة؟ تلك التي على طرف الساقية؟!
– نعم، يقولون إن المدينة تريد إقامة طريقٍ يمر من هناك.

جلستُ بصمتٍ ثقيل، وراحت الكلمات تتردد في رأسي.
تلك الطاحونة لم تكن مجرد بناء حجري قديم، بل كانت روح طفولتي، فيها كنت أركض مع إخوتي، وعلى جدرانها تعلمت كيف أرسم أحلامي على التراب.
أما زوجي – رحمه الله – فقد كان يقول دائمًا: "ما دامت الطاحونة قائمة، فالحياة مستمرة في هذه القرية."

نظرتُ إلى أم فارس، وعيناي تمتلئان بالقلق:

– وكيف وافق أهل القرية؟
هزت رأسها بأسى:
– الناس مشغولون بلقمة العيش يا أم مريم، قليل من يفكر بالذكريات. الكبار تعبوا، والشباب يبحثون عن المدينة.

تسللت مريم من خلفي، تحمل قطعة خبزٍ ساخنة في يدها، وقالت بصوتها البريء:

– أمي، هل سنذهب إلى الطاحونة؟ أريد أن أراها قبل أن يأخذوها.
نظرتُ إليها، شعرتُ بشيءٍ يشتعل في صدري. كيف أشرح لطفلةٍ أن العالم يسرق منا ما نحب بصمت؟

اقتربتُ منها، جلستُ على ركبتيّ أمامها وقلتُ:

– نعم يا مريم، سنذهب. علينا أن نودّع الطاحونة بطريقتنا.
ضحكت أم فارس وقالت وهي تلوّح بيدها:
– أنتِ المجنونة الوحيدة في هذه القرية التي تودّع الأماكن كما لو كانت بشرًا.
ابتسمتُ لها وقلتُ بهدوء:
– ربما... لكن بعض الأماكن تشبه الأمهات، حين تُهدم، يُهدم جزء من الذاكرة معها.

ضحكت مريم، وقفز رعد حولنا كأنه فهم أننا نستعد لرحلة.
كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، وأصوات الماعز تملأ الطرقات، والهواء يحمل رائحة الخبز الساخن.
وضعتُ على رأسي طرحةً بيضاء، وأمسكت بيد مريم، وقلتُ بصوتٍ أقرب إلى الهمس:

– هيا بنا، إلى الطاحونة… قبل أن يبتلعها الغبار.

خرجنا من البيت، وأم فارس تنادينا من بعيد:

– احذري الطريق يا أم مريم، الساقية زلقة بعد المطر!
– لا تقلقي، قدماي تعرفان طريق الطاحونة أكثر مما يعرف قلبي طريق النسيان.

وهكذا بدأنا طريقنا نحو الماضي، حيث كانت الطاحونة تنتظرنا، كما ينتظر القدر لحظته ليدقّ بابه في صمت.

الفصل الثالث

لم يكن الطريق إلى الطاحونة طويلاً، لكنه كان مليئًا بالذكريات.
كل خطوةٍ كنتُ أخطوها على التراب كانت تفتح بابًا في قلبي.
صوت العصافير، رائحة الطين الرطب بعد المطر، ووميض الشمس بين أشجار التوت، كلها كانت تعيدني إلى زمنٍ كنتُ فيه طفلة، أركض في هذا الطريق ذاته وأنا أحمل جرة الماء وأضحك حتى ألهث.

كانت مريم تقفز بجانبي، تمسك بطرف ثوبي، تسألني بحماس طفولي:

– أمي، هل الطاحونة كبيرة مثل بيتنا؟
ابتسمتُ وقلت:
– أكبر يا صغيرتي، لكنها قديمة، جدرانها من الحجر وسقفها من القش، كأنها حكاية من زمنٍ بعيد.
– وهل كان أبي يذهب إليها؟
أجبتها وأنا أتنفس عمق الذكرى:
– كان يحبها أكثر من أي مكان في القرية، هناك كان يقف ساعاتٍ يطحن القمح، ويقول لي: “حين يدور حجر الطاحونة، أشعر أن الحياة ما زالت بخير.”

صمتتْ مريم لحظة، ثم قالت بصوتٍ خافت:

– إذن لماذا يريدون أخذها؟
– لأن الناس يا ابنتي حين ينسون الماضي، يبيعون كل شيء بسهولة… حتى أرواحهم.

وصلنا إلى المكان أخيرًا، وهناك توقفتُ أمام المشهد الذي جمد الدم في عروقي.
الطاحونة كانت كما هي، لكنها متعبة، متشققة الجدران، يعلوها الغبار والعشب.
الباب الخشبي العريض نصفه مكسور، والعنكبوت نسج خيوطه على الأطراف، وكأن الزمن قرر أن يغطي الجرح بالصمت.

دفعنا الباب برفق، فأنّ بألمٍ كأنين إنسانٍ عجوز.
دخلنا بخطواتٍ حذرة، والضوء يتسلل من فتحات السقف.
كان الهواء رطبًا، والروائح مزيجًا من القمح العتيق والخشب القديم.
تقدمتُ خطوة، فإذا بصوت حفيف خافت يأتي من الداخل.
توقفتُ، أمسكتُ بيد مريم وقالت بخوف:

– أمي، هناك أحد هنا؟
– لا أدري، ابقي خلفي.

اقتربتُ أكثر، فإذا بصندوق خشبي صغير في زاوية المكان، نصفه مدفون تحت القش.
انحنيتُ، أزحتُ الغبار عنه، وإذا على غطائه كتابة باهتة بالخط العربي القديم.
قرأتُ بصوتٍ مبحوح:

– “وقفٌ لروح صالح بن يونس”.
تجمدتُ في مكاني… كان هذا اسم والدي.

– أمي؟ من صالح بن يونس؟
– جدكِ يا مريم… جدك الذي لم تريه قط.

جلستُ على الأرض، ومددت يدي أفتح الصندوق ببطء، فصدر صوت طقطقةٍ خفيفة، ثم انفتح الغطاء كأنه يزفر أسراره القديمة.
في الداخل كانت هناك دفتر قديم، وصورة باهتة لرجلٍ يبتسم بوقار، وقطعة قماش مطرزة بالحروف الأولى من اسمه.
أمسكتُ الصورة، وأحسستُ كأن الطاحونة تعود لتتنفس من جديد.
دمعة ساخنة انحدرت على خدي دون أن أشعر.

– أمي، هل هذا جدي؟
– نعم يا صغيرتي، يبدو أن الطاحونة خبأت لنا ذكرى منه… كأنها تنتظرنا لنكتشفها.

جلست مريم بجانبي، والكلب “رعد” يدور حولنا، ينبح بصوتٍ ناعم كأنه يحتفل.
مدت الصغيرة يدها نحو الدفتر وقالت:

– هل أستطيع فتحه؟
– نعم، ولكن بحذر، فهو أقدم منّا جميعًا.

فتحت مريم الدفتر، وإذا بصفحاتٍ مصفرّة تفوح منها رائحة الزمن، مكتوب فيها بخطٍ رجولي جميل:

“إلى من يأتي بعدي… احفظوا الطاحونة، ففيها روح الأرض والناس.”

شعرتُ أن الكلمات لم تكن حبرًا على ورق، بل وصيةً تصل من الماضي لتوقظ فيّ شيئًا نائمًا منذ سنوات.
نظرتُ إلى مريم وقلتُ بعزمٍ هادئ:

– لن أسمح أن تُباع الطاحونة.
– كيف يا أمي؟
– سنجد طريقة، فالقدر لا يرسل لنا الحليب المسكوب عبثًا، ولا يترك لنا صندوقًا في هذا اليوم صدفة.

رفعت رأسي نحو السقف، كانت خيوط الضوء تتسلل فوق الغبار كأنها مباركة من السماء.
لأول مرة منذ زمنٍ طويل شعرت أن قلبي ينبض بالأمل من جديد.

الفصل الرابع

خرجتُ من الطاحونة وأنا أحمل الصندوق بين يدي كأنه طفلٌ مولود للتو، ومريم تمشي بجانبي تمسك بطرف ثوبي وتحدّق في الصورة العتيقة التي وضعتها بين يديها الصغيرة.
كان النسيم هادئًا، والسماء تميل إلى زرقة المساء، والقرية تتهيأ لصلاة العصر.
سار رعد أمامنا يقفز بين الحشائش، وكأنه يرشدنا إلى طريق القدر.

حين اقتربنا من الساقية، رأينا بعض رجال القرية مجتمعين، يتحدثون بصوتٍ مرتفع، وفي وسطهم كان المختار “أبو سالم” يحمل أوراقًا في يده.

– السلام عليكم، ما الأمر يا رجال؟
التفتوا إليّ، فصمتوا لحظة.
قال أبو سالم وهو يعدّل عمامته:
– وعليكم السلام يا أم مريم، جئنا نرى حدود الأرض قبل أن نحضر مندوب البلدية غدًا، سيُباشرون المسح لبناء الطريق.

تقدمتُ خطوة، ضممتُ الصندوق إلى صدري وقلتُ بثباتٍ لم يعرفوه فيّ من قبل:

– لن تُمسّ هذه الأرض.
ضحك أحد الرجال وقال مستهزئًا:
– ومَن سيمنعهم؟ أنتِ وحدك؟
رفعتُ رأسي، نظرت إلى المختار مباشرة:
– لا يا مختار، سيمنعهم التاريخ. هذه الطاحونة وقفٌ باسم والدي “صالح بن يونس”، وهذا الدفتر شاهد على كلامي.

ساد الصمت، والدهشة ارتسمت على الوجوه.
مدّ أبو سالم يده بتردد، فأعطيته الدفتر. تصفّحه ببطء، وعيناه تتغيران مع كل سطرٍ يقرؤه.

– هذا الخط... وهذا الختم... حقًا، هذا ختم والدك رحمه الله.
– إذن فالأرض ليست للبيع، بل أمانة، ولا يجوز لأحدٍ أن يمدّ يده عليها.

تجمهر الناس حولنا، بعضهم يتهامس، وبعضهم ينظر بإعجاب.
كانت أم فارس قد لحقت بنا، ووقفت خلفي تضع يدها على كتفي وتقول:

– صدقتِ يا أم مريم، كأن القدر خبأ هذه الأوراق لكِ لتظهري في الوقت المناسب.

ابتسمتُ وأنا أشعر بحرارة الدموع في عيني، فكل ما حدث منذ الصباح – من انسكاب الحليب إلى اكتشاف الصندوق – بدا وكأنه خيطٌ واحد نسجه القدر ليعيدني إلى هنا.
نظرتُ إلى مريم التي تمسك الصورة وتنظر إليها بإعجاب، فقلتُ بصوتٍ هادئ لكنه ممتلئ باليقين:

– يبدو أن جدكِ ما زال يحرسنا يا مريم، من خلف الغيب.

اقترب أبو سالم وقال باحترامٍ غير معتاد:

– الطاحونة ستبقى كما هي، وسأبلغ المجلس بذلك بنفسي.
– شكرًا لك، لكن أريد شيئًا آخر يا مختار.
– وما هو؟
– أريد أن أفتح الطاحونة من جديد، أن نعيد تشغيلها، فهي روح القرية، ولن تموت ما دام فينا نفس.

تبادل الرجال النظرات، ثم قال أحدهم:

– وهل ما زال فيها حجر الطاحونة القديم؟
– نعم، لكنه يحتاج إلى يدٍ تعرف قيمته… وأنا سأبدأ غدًا بإصلاحه.

صفق بعض الجيران بحماس، وسمعتُ صوت أم فارس تقول وهي تضحك:

– كنت أقول عنك مجنونة، أما الآن فأنا فخورة بجنونك!

ضحكتُ بدوري، والتفتُّ إلى مريم التي كانت تقفز فرحًا وتقول:

– أمي! سنصنع الخبز من طحين الطاحونة، مثل زمان أبي وجدّي!
– نعم يا مريم، وسنخبر الجميع أن الحليب المسكوب قد أعاد إلينا الحياة.

وقفتُ أمام الطاحونة، أراها تبتسم في صمتٍ كعجوزٍ وجد أبناءه من جديد،
والريح تمرّ من بين نوافذها المهترئة كأنها تصفّق لنا،
بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، تلون السماء بلونٍ ذهبي يشبه الدفء الذي عاد إلى قلبي.

رفعتُ رأسي إلى الأفق، وهمست لنفسي:

– أحيانًا، لا يسكب القدر الحليب ليعاقبنا… بل ليغسل قلوبنا من غبار النسيان.

وهكذا انتهى ذلك اليوم الغريب الذي بدأ بانسكاب الحليب وانتهى بولادة الأمل.
لكنني كنت أشعر في أعماقي أن ما حدث لم يكن سوى بداية حكايةٍ أطول...
حكايةٍ كتبتها يد القدر، وما زالت تمضي بخيوطها نحو الغد....

رواية بين أيدي القدر | الجزء الثاني

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.