قد تظن أن السعادة دائمة، وأن حولك من يحبك سيبقى للأبد، لكن الحياة لا تكشف حقيقتها إلا حين تسقط… حينها فقط تعرف من بقي ليحملك، ومن تركك تنكسر وحدك.
لستُ ممن يحبون الحزن على الإطلاق، بالعكس، أنا من أولئك الذين يملأون الدنيا ضحكًا وضجيجًا أينما حلّوا.
كنتُ دائم المزاح، أضحك حتى من أبسط المواقف، وأؤمن أن الضحك دواء كل وجع.
كل من حولي كان يراني "وليد المرح"، ذاك الشاب الذي يحوّل أي مأساة إلى نكتة، ويزرع البهجة في القلوب كأنه خُلق لذلك.
كانت حياتي بسيطة… جميلة… مليئة بالضوء.
أعيش مع أمي في بيتٍ صغير يملؤه الدفء، أستيقظ كل صباح على صوتها وهي تناديني لتناول الإفطار، وعلى رائحة القهوة التي لا تستقيم بها حياتي.
كنت أعمل في شركة برمجيات خاصة، وأملك حلمًا كبيرًا بتأسيس مشروعي الخاص، مشروع تكنولوجي كنت أراه مستقبلًا جديدًا لي ولغيري.
كنت أجمع المال قرشًا قرشًا، وأخطط لكل تفصيلة بشغف طفلٍ ينتظر عيد ميلاده.
كنت أؤمن أن النجاح مسألة وقتٍ فقط.
وحين بدأت أولى خطواتي، كانت الدنيا تبتسم لي فعلًا.
استطعت أن أُطلق مشروعي الصغير على الإنترنت، وبدأ يلقى تفاعلًا رائعًا، بل حتى أحد المستثمرين أبدى إعجابه به وطلب الاجتماع بي.
كنت أعيش أسعد أيام حياتي، أضحك كثيرًا، أحلم كثيرًا، وأقول لأمي كل مساء:
– "ادعيلي يا أمي، النجاح قريب جدًا."
فتبتسم وتقول بثقة:
– "أنا بدعيلك من قلبي يا وليدي، وربنا ما بيضيع تعب المخلصين."
مرت الأسابيع وأنا أعمل ليل نهار، لا يهمني التعب ولا السهر، كنت أشعر أن كل ثانية تقرّبني من الحلم.
أصدقائي كانوا يحيطون بي، يشجعونني، ويمتدحون حماسي.
كنت أظنهم الداعم الحقيقي لي، وأنهم سيسعدون بنجاحي كما لو كان نجاحهم.
لم أكن أدرك أن بعض الوجوه التي تبتسم لك، تخفي خلفها ضلالًا من الحسد أو المصلحة.
في يومٍ بدا كأنه ذروة المجد، تلقيت اتصالًا من المستثمر الذي وعدني بالدعم.
قال بصوته الجاد:
– "يا وليد، المشروع ممتاز، لكنّي راجعت بعض الأمور، واتضح إن التمويل اللي كنت ناوي أقدمه مش هينفع حاليًا. يمكن بعد فترة نعيد النظر."
كانت كلماته كصفعةٍ باردة على وجهي.
ابتسمت رغم الألم، وشكرته على أي حال.
لكني شعرت بأن كل ما بنيته بدأ ينهار في داخلي.
بدأت الأزمة تتعمق…
تكاليف التشغيل ارتفعت، العملاء قلّوا، والإعلانات توقفت.
كنت أظن أن الأمر مؤقت، لكن الأيام خذلتني.
اضطررت للاقتراض لتغطية النفقات، وكنت أعد نفسي أن أعوضها حين يعود المشروع للوقوف.
لكن الرياح كانت عكس ما اشتهيت.
في كل ليلةٍ كنت أجلس أمام شاشة الحاسوب، أراجع الأرقام التي تتناقص، والديون التي تتزايد، حتى صارت كأنها جبلٌ فوق صدري.
لم أعد أضحك كما كنت، صارت الضحكة ثقيلة، والقهوة مُرّة بطعم الخسارة.
كنت أحاول أن أبدو قويًا أمام أمي، لكنها كانت تشعر بي، بنظرةٍ واحدةٍ في عيني كانت تعرف أن شيئًا ما انكسر داخلي.
قالت لي ذات مساء:
– "ما تخليش الدنيا تكسرك يا وليدي، انت أدهى من كده."
لكن قلبي كان قد تعب.
بعد أشهرٍ قليلة، خسر المشروع بالكامل.
تراكمت الديون، وبدأت المكالمات تلاحقني من كل جهة.
البنك يريد أقساطه، الموردون يطالبون بحقوقهم، حتى صاحب البيت بدأ يهدد بالطرد.
كنت أستيقظ على الهمّ وأنام عليه، كأن الحياة كلها أصبحت دائرة مغلقة من الخسائر.
والأقسى من كل ذلك، أن كل من كنت أظنهم "أصدقاء العمر" اختفوا واحدًا تلو الآخر.
بعضهم لم يرد على اتصالاتي، وبعضهم تحاشاني في الطريق وكأنه يخاف أن أطلب المساعدة.
حتى أقاربي الذين كانوا يملأون البيت في أيام نجاحي، صاروا لا يزورونني، بل يتجنبون ذكر اسمي.
كنت أرى في أعينهم نظرة شفقةٍ ممزوجة باللوم، كأنهم يقولون في سرّهم: "هو السبب، حلم أكتر من اللازم."
في تلك الأيام تعلمت شيئًا قاسيًا:
أنك حين تسقط، لا أحد يمد يده حقًا…
وأنّ أغلب من حولك يحبونك ما دمت واقفًا، أما حين تنحني، يمرّون بجانبك وكأنك لم تكن.
كنت أجلس في غرفتي كل مساءٍ، أستعيد الشريط من البداية:
ضحكاتي، أحلامي، نجاحي الأول، كلمات أمي المشجعة، ووجوه من تركوني.
كنت أقاوم دمعةً تلو الأخرى، لكن في بعض الليالي لم أستطع.
كنت أبكي بصمتٍ شديد، ليس على المال، بل على نفسي التي لم تعد كما كانت.
في أحد الأيام، وبينما أنا غارق في التفكير، سمعت أمي تبكي في الغرفة المجاورة وهي تتحدث في الهاتف مع خالتي.
كانت تقول بصوتٍ مكسور:
– "وليدي تعب، والله تعب… كان طيب أوي وما يستاهل اللي حصل له."
حينها فقط، شعرت بأنني لم أخسر المال فقط، بل أرهقت قلب أمي الذي لم يحتمل وجعي.
قررت أن أعمل أي شيء، أن أبدأ من جديد ولو من الصفر.
بحثت عن عمل، ولم أجد بسهولة.
رفضتني شركات كثيرة، بعضهم قال إن خبرتي لا تناسب، وبعضهم تجاهلني تمامًا.
حتى أولئك الذين كنت أساعدهم من قبل، تظاهروا بعدم المعرفة.
كنت أعود كل مساءٍ مبللًا بالخيبة، أقول لنفسي: "ربما غدًا أفضل."
لكن الغد كان نسخةً أخرى من اليوم، بنفس الوجع والخذلان.
وذات ليلة، بينما كنتُ جالسًا على سطح المنزل أتأمل السماء، شعرت بأنني على وشك الانهيار.
رفعت رأسي إلى النجوم وقلت بصوتٍ خافت:
– "يا رب، مش عايز فلوس ولا مجد، بس عايز راحة."
بكيت طويلًا… حتى هدأ قلبي.
في اليوم التالي، وبينما كنت أتصفح هاتفي، وجدت رسالة من أحد أصدقائي القدامى، كان يعمل في شركة صغيرة.
كتب لي:
"وليد، عارف اللي حصل، ومقدر تعبك. عندنا وظيفة بسيطة، مش كبيرة زي اللي كنت فيها، بس ممكن تكون بداية."
شعرت بشيءٍ من الدفء بعد شهورٍ من الجليد.
وافقت فورًا.
ذهبت إلى المقابلة، وجلست في مكتبٍ صغيرٍ داخل الشركة الجديدة، لا يحمل أي فخامة، لكنه كان مليئًا بالهدوء.
المدير كان رجلًا بسيطًا، سألني عن سبب رغبتي في العمل، فقلت بصدق:
– "عايز أبدأ من جديد، حتى لو البداية من الصفر."
ابتسم وقال:
– "اللي يبدأ من الصفر، ما بيخافش من السقوط."
بدأت أعمل من جديد، خطوةً بخطوة، لكن هذه المرة بدون أحلامٍ كبيرة، فقط برغبةٍ في البقاء.
تعلمت أن السعادة لا تأتي من المال ولا الشهرة، بل من الرضا.
أصبحت أكثر هدوءًا، أكثر نضجًا، لكن شيءًا في داخلي ظل منطفئًا، ضوءي القديم لم يعد كما كان.
مرت سنة كاملة.
لم أستعد مجدي السابق، لكنني استعدت نفسي.
صرت أرى الحياة كما هي، لا كما كنت أتخيلها.
الناس لا تتغير، لكنها تكشف عن حقيقتها مع الزمن.
تعلمت أن لا أضع قلبي في جيوب الآخرين، وأن لا أخلط بين من يبتسم لك، ومن يحبك حقًا.
في ليلةٍ هادئة، جلست على سطح المنزل من جديد، حيث بكيت ذات يوم، لكن هذه المرة لم أبكِ.
نظرت إلى السماء وقلت لنفسي:
– "يمكن كنت محتاج أقع علشان أفهم… إن اللي بينور جوّانا مش النجاح، لكن الرضا."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها وجعٌ جميل، كابتسامة من أدرك الحقيقة متأخرًا، لكنه أدركها في النهاية.
🕯️ العبرة:
الحياة لا تسرق منك شيئًا عبثًا، إنها فقط تُريك من يستحق أن يبقى حولك حين يسقط كل شيء.
والأهم… أن النور الحقيقي ليس في نجاحك، بل في قدرتك على النهوض بعد الانطفاء.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.