حين يسكن الليل، وتخفت الأصوات، تبدأ الروح في حوارٍ صامتٍ مع القلب. في هذه القصيدة، تنسكب الكلمات كدموعٍ على الورق، تُجسّد وجع الذكرى وحنين الأمل.
في صمتِ الليل...
باتصفّح أوراقَ القلب،
أتلمَّس أنفاسَ الحنينِ المخبَّأة بين السطور،
وأتهجّى تراتيلَ الروح،
المكتوبةَ على جبينِ الدهر،
الذي نَسِيَ أن يُصافحَ حلمي ذاتَ مساءٍ،
وتركَ على كتفي بقايا غبارِ الخذلان.
أفتحُ صفحةَ الأمس،
فأجدُ العمرَ مبعثرًا على دربٍ طويل،
يتكئُ على عكّازِ الأيام،
تائهًا بين بُعدٍ وقُرب،
بينَ وعدٍ انكسرَ على صخرةِ الصبر،
وحلمٍ كانَ لي... ثمّ استحالَ دخانًا.
وفـ عزّ الليل،
حينَ سكنتِ الأصواتُ،
وانكمشَ الصدى بينَ جدرانِ الغرفة،
وجدتُ أوراقًا من الذكرى،
منثورٌ عليها دمعٌ عليل،
تفوحُ منها رائحةُ زمنٍ كانَ جميلًا،
تغنّى فيه القلبُ للحياة،
قبلَ أن تَغدو الأحلامُ يتامى على أبوابِ الرجاء.
فـ الدمُ يفورُ جوّا الشرايين،
والقلبُ تصرخُ دقّاتُهُ بلا صوت،
كأنَّهُ يستغيثُ من وجعٍ قديم،
من حبٍّ أرهقَهُ النسيان،
ومن طيفٍ ما زالَ يسكنُ بينَ الضلوع،
يُقلّبُ صفحاتِ العمر،
ويُذكّرني أنّ الماضي لا يموتُ،
إنّما يختبئُ في نبضةٍ،
وفي تنهيدةٍ...
وفي همسةِ اسمٍ تائهةٍ على حافةِ الذاكرة.
الفرحُ نام،
وأخذَ تعسيلةً مع الأيام،
كأنَّهُ أرهقَهُ الحنينُ أيضًا،
والروحُ ما زالتْ محرومةً من الأحلام،
تتوسّلُ لجنابِ الحزنِ أن يزول،
علَّ الفرحَ يقومُ من نومه،
ويمسحُ عن وجهِ الصبحِ غبارَ التعب،
ويردُّ للقلبِ نبضَهُ القديم.
لكنَّهُ لا يقوم...
فـ الأوهامُ ثقيلة،
تتدلّى على جفونِ الفرح،
والأحزانُ تتسرّبُ في وريدِ الروحِ كسمٍّ لطيف،
تُدمنُهُ الأيامُ بصبرٍ قاتل،
حتى يغدو الوجعُ عادةً،
ويُصبحُ الصبرُ رفيقَ الوجعِ الوحيد.
في العتمةِ الساكنةِ بينَ نبضٍ ونبض،
تلوحُ خيوطُ النورِ كأمنيةٍ بعيدة،
تتسلّلُ من بينِ شقوقِ القلب،
تُحاولُ أن تُنيرَ الطريق،
لكنَّها تتفاجأُ بالمكتوب،
تقرأُ ما لا يُقرأ،
وتبكي على حبرٍ جافٍ نسيَ أن يُكملَ الحكاية.
إنَّ الزمنَ لا يُؤتمن،
فقد خانَ الوعود،
وتواطأَ مع الدمعِ في الخفاء،
ووزّعَ الظلمَ بعدلٍ غريب،
فصارَ المظلومُ هو دافعَ الثمن،
وصارَ الحنينُ حكمًا مؤبّدًا بلا نقضٍ ولا استئناف.
على قلوبِنا اتَّفقَ الزمن،
بأنْ لا نتّفق،
أن نختلفَ في كلّ شيءٍ...
حتى في البكاءِ،
حتى في طريقةِ الحنين.
دَبُلَتِ الضحكةُ في عيونِنا،
وصارتْ مُجرّدَ ذكرى تُروى في الهامش،
تذوبُ كنجمةٍ باردةٍ في مجرّةِ الصبر،
وفي قلوبِنا...
غرقَ الشوقُ بلا نجاة،
صارَ موجًا بلا بحر،
وصارَ وجعًا بلا مداواة.
يا ليل،
كم من الأسرارِ تُخفيها بينَ جفونِكَ؟
كم من حكايةٍ أودعناها فيكَ لعلَّكَ تحفظُها؟
لكنَّكَ مثلُ الزمن،
تصغي لنا بصمتٍ مريب،
وتتركُنا نغرقُ في ما نبوحُ به،
ثمَّ تُسدِلُ ستائركَ كأنَّ شيئًا لم يكن.
يا ليل،
كم مرّةٍ وعدتَني بالسكينة،
ثمَّ تركتَني وحدي أعدُّ أنفاسي؟
كم مرّةٍ غفوتُ على كتفِ ظلامِكَ،
أبحثُ عن دفءِ نجمةٍ،
فأجدُ بردَ الخيبةِ يلسعُ روحي؟
يا ليل،
هل تُدركُ كم نُحِبُّك؟
كم نختبئُ فيكَ من ضجيجِ النهار،
ومن زيفِ الوجوه،
ومن خياناتِ الضوء؟
لكنّكَ رغمَ دفءِ سوادِكَ،
تغدو أحيانًا مرآةً لوجعِنا،
تعكسُ لنا ما نحاولُ نسيانه،
وتُعيدُ فتحَ الجروحِ كأنّكَ تُذكّرنا
بأنَّ الألمَ جزءٌ منّا لا يفارقُنا.
وفي نهايةِ الورق،
كتبتُ بخطٍّ مرتعشٍ:
"يا ليل، علّمني كيفَ أُطفئُ وجعي،
كيفَ أزرعُ النورَ في قلبٍ أكلَهُ الغياب،
وكيفَ أنامُ دونَ أن أُفكّرَ في الغد..."
لكنّ القلمَ توقّف،
والدمعةُ سبقتِ الحرف،
ورفّتْ ورقةٌ بيضاءُ على الطاولة،
كأنّها روحُ القصيدةِ تودّعُني،
تقولُ لي:
“اصبرْ...
فالحلمُ وإنْ تأخّر،
سيأتي ذاتَ فجرٍ...
حينَ يملّ الحزنُ من طولِ المقام.”
الكتابة-الشاعرة وجدان

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.