رحلة داخل قلبٍ مثقل بالخذلان، يصرّ على الحلم رغم الألم، ويُمسك بخيط الأمل الضعيف ليصنع من وجعه قصيدة حياة.
قلبي بريءٌ كطفلٍ، لا يُجيد المراوغة ولا الحذر،
يؤمن بأن الخير في الوجوه، حتى تلك التي تخفي الغدر،
ويمدّ يديه نحو الأمل، كمن يُمسك وهجَ النجوم،
ويغفو على وسادةٍ من حلمٍ مكسورٍ لا يكتمل.
السنون تمضي كقوافلِ رملٍ، لا تترك سوى آثارها،
تضحك في وجه الضعف، وتبكي إذا اشتدّ الصبر،
تسلب منا البراءة كما تسلب الريحُ ورقَ الشجر،
ثم تمضي دون وداعٍ، كغريبٍ لا يلتفت للخلف.
يا زمنًا تاهَ في دروبي كعابرِ سبيلٍ مملٍ،
كم وعدتَ فأخلفتَ، وكم دلّستَ على حلمي النقي،
ما زلتُ أنتظر مطرك الذي لا يأتي،
يروي أراضي روحي التي جفّت من طول الرجاء.
مسكتُ بخيط الأمل حتى تهدّلت أطرافي،
وكان الأملُ هشًّا كغصنٍ يابسٍ في مهبّ ريح،
تدلّى من كفيَّ كدمعةٍ لم تجد وجنتيها،
وتركني بين يقينٍ ضائعٍ وشكٍّ لا ينام.
آهٍ يا زمن الغدر، يا من تُهدي وتطعن في آنٍ واحد،
ما زلتَ تمسك الأمنيات بقبضتك الحديدية،
وترميها في بحرٍ مالحٍ،
تغرق معه أحلامي، وتطفو فقط دمعتي.
شهقتي الأخيرةُ خرجت حائرةً بين الألم والرجاء،
كأنها نغمةٌ ضاعت بين وترٍ مكسورٍ وصمتٍ طويل،
تحلّت بالصبرِ، والصبرُ كزجاجٍ أمشي عليه حافية،
تجرحني الشفافية، ويؤلمني الصفاء.
أيامي تمضي ببطءٍ، كسلحفاةٍ تجرّ خلفها تعبي،
أرجوها أن تزحف بي نحو النور، فتتثاقل أكثر،
أقول لها: “كوني عونًا”، فتضحك كأنها تسخر،
ثم تتركني في منتصف الطريق بلا دليلٍ ولا وجهة.
رضيتُ بالمرّ، فلم يرضَ بي المرُّ،
ساقني إلى محكمةٍ بلا قاضٍ رحيم،
اتهمني بأني متمرّدةٌ على الألم،
وبأني لم أتعلّم فنّ الانكسار بعد.
القاضي استدعى جلّاده قبل أن يسمع دعواي،
وقال وهو لا يراني: “احكموها بالصبر!”
كم في الصبر من وجعٍ حين يكون إكراهًا،
وكم في الرضا من مرارةٍ حين يُفرض علينا.
الدنيا يا وجعي، ضدّي حتى في تفاصيل الحلم،
تُخمد فجرَ روحي قبل أن يُولد نوره،
تُطفئ شموع الأمل في قلبي،
ثم تسألني: “لماذا الظلام يسكن عينيك؟”
وفي أعماقي طفلٌ صغير، لم يعرف الحيلة ولا الرياء،
يركض بمريلةٍ بيضاء، يصنع أحلامه من شمسٍ منسوجة،
يمسك بخيوط الفجر ويضحك،
لا يدري أن الضوء قد يخون حين يشيخ النهار.
صوته يهمس في صحراءِ عمري المهجورة:
"امنحيني فرصةً أخرى للحياة، ولو في الحلم"،
لكن الأحلام يا صغيري باتت خائفةً من العيون،
وصارت تطلب الإذن قبل أن تزورنا في المنام.
يا قلبي، كم أنت عجيبٌ في غفلتك،
تصافح الأوجاع كأنها أصدقاءُ قدامى،
وتغفر لكلّ خيبةٍ كأنها لم تكن،
وتبقى تؤمن أن الغد سيجيء مختلفًا.
ليلي طويلٌ كمنفى،
نجومه شاهدةٌ على وحدتي،
والقمر وجهُ حبيبٍ نسيَ وعده،
ينظر إليّ من بعيدٍ ببرودٍ، ويغيب بلا وداع.
كم تمنّيتُ أن تلمسني يدُ الفجر بخفة،
أن تقول لي الأيام: "لقد انتهى العذاب"،
لكنها تهمس بالعكس، وتزيد الطعنات بلطف،
كأنها تمارس الحنانَ على طريقتها القاسية.
يا وجعي، يا مرآتي التي لا تجاملني،
احكِ لهم عنّي حين كنتُ أضحك وأنا أنزف،
احكِ كيف خبأتُ انكساري تحت ثوبِ الكرامة،
وكيف كان الألم يكتب على جدارِ صدري الشعر.
كلّما بكيتُ، شعرتُ أني أتطهّر من الخيبة،
كلّما تهتُ، وجدتُ نفسي في التيه،
كأن الضياع قدرٌ لا فكاك منه،
وكأن الوحدة بيتٌ لا يُغلق بابه أبدًا.
أيها الزمن، ما أبخلك حين تطلبنا قربك،
وما أقساك حين نرجوك أن تمهلنا لحظة،
أيها الغادر المتأنّق في ثياب الدهر،
هل جربت يومًا أن تحبّ دون خوفٍ أو حساب؟
يا حلمي الضائع في الغيم،
كنتَ ضوءًا ثم صرتَ دخانًا ثم سرابًا،
كنتَ وعدًا ثم وهماً ثم قصةً تُروى بحسرة،
لكنك رغم الخذلان، ما زلتَ أصدق من الواقع.
رجلاي نازفتان من طول المسير على شوك الرجاء،
لكنّ روحي لم تتعب بعد من المحاولة،
فربّما إذا نزل المطر ذات مساءٍ،
تُزهر أرضي من جديد، وتُغنّي شجرة القلب.
في داخلي صوتٌ لا يلين، يقول:
“ستعيشين، وإن ذبلتِ ألف مرة”،
“ستبتسمين، وإن انكسر فيكِ كلّ جميل”،
“ستنهضين، لأن النهضة قدرُ الأرواح الصادقة.”
قلبي ليس عبيطًا كما يقولون،
هو فقط طاهرٌ أكثر مما يحتمل هذا العالم،
لا يعرف المكر، ولا يتقن الهروب،
وكلّما جُرح، أزهرَ من جرحه وردة.
أنا التي واجهتُ الريحَ بيدٍ واحدةٍ وصبرٍ كبير،
وقلتُ للعاصفة: "لن تكسري ما بقي مني"،
ضحكت العاصفة وقالت: "ما زلتِ تحلمين؟"
فقلتُ: "ما دمتُ أتألم، إذًا أنا حيّة."
أنامُ على حافة الحلمِ، وأصحو على ضفة الألم،
لكنني ما زلتُ أؤمن أن للصبح وعدًا،
وأنّ الشمس، مهما تأخّرت، ستعود لتدفئنا،
وأنّ هذا القلب، مهما خُذل، سيحبّ من جديد.
يا وجعي، يا أنيسي حين يخونني العالم،
علّمتني أن القوة ليست في الصراخ،
بل في أن تبتسم والدمعُ يطفح من داخلك،
وأنّ أجمل الشجاعة أن تبقى إنسانًا رغم كل شيء.
فليشهد التاريخ عليّ:
لقد عشتُ بالصدق حتى الوجع،
ولم أساوم على حلمي،
ولم أستسلم لمرارة السنين.
قلبي بريء... نعم، لكنه عظيم،
كأنّ فيه بذرةَ اللهفة الأولى للحياة،
يخطئ حين يحبّ، لكنه لا يكره،
ويهوي، ثم ينهضُ، ثم يعودُ ليحبّ من جديد.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.