قصص وحكايات

قصيدة | زهرة الحب الأبدي لا تشيخ

حين تهرم الوجوه تبقى القلوب صافية... قصيدة تحكي عن وردةٍ قدّمتها الشيخوخة للحب، فابتسم الزمن وبكى معها الخريف على عتبة العمر.
قصيدة | زهرة الحب الأبدي لا تشيخ

على عَتَبَةِ الكوخِ العَتِيق، جَلَسَ العُمُرُ يَبتَسِمُ.
الهواءُ يَحمِلُ رَائِحَةَ الخُبزِ القَدِيمِ، وَفِي عُيونِهِمَا بَقَايَا الفَجرِ الأَوَّلِ.
الزَّوجُ العَجُوزُ، يَرتَدِي مَعطَفَ الذِّكرَى،
وَبِيَدِهِ وَردَةٌ تَحكِي مَا عَجَزَتِ السِّنُونُ عَن قَولِهِ.

تَقِفُ الزَّوجَةُ أَمَامَهُ، تُخْفِي وَجهَهَا بِيَدَيْهَا،
كَأَنَّهَا تُخْفِي خَجَلَ البِكرِ الأَوَّلِ،
تَرتَعِشُ أَطرافُهَا بَيْنَ الحَيَاءِ وَالدَّهشَةِ،
وَتَبكِي وَهِيَ تَبتَسِمُ، كَمَن لَم يُصَدِّق أَنَّ الحُبَّ قَد نَجَا مِن زَمنٍ طَوِيلٍ.

قَالَ لَهَا وَصَوتُهُ مَملُوءٌ بِالطِّيبَةِ:
«يَا رَفيقَةَ الطَّرِيقِ، أَتَذكُرِينَ يَومَ غَرَستِ بِي حُلْمًا؟
أَتَذكُرِينَ حِينَ كُنتِ تَضحَكِينَ وَالعُمرُ أَخضَرُ كَالرَّبيعِ؟
تِلْكَ الأَيَّامُ لَم تَمُت، وَإِن بَانَتِ التَّجَاعِيدُ فِي كُلِّ جَانِبٍ مِن وَجهِنَا».

تَهمِسُ بَينَ دُمُوعِهَا:
«أَيُّهَا الحَبِيبُ، أَتَقدِرُ أَن تُحِبَّ بَعدَ أَن شَاخَ القَلبُ وَضَعُفَ البَصَرُ؟
أَتَقدِرُ أَن تَرَى الجَمَالَ فِي عَينٍ غَشَاهَا الغُبَارُ؟»

فَضَحِكَ، وَقَالَ:
«إِنَّ الجَمَالَ لا يَسكُنُ الوَجهَ، بَل فِي العَينِ الَّتِي تُحِبُّ.
مَا زِلتِ أَنتِ المَرأَةَ الَّتِي كُنتِ، لَم تَتَغَيَّرِي سِوَى أَنَّ الحَنينَ زَادَ فِيكِ.
كُنتِ وَرْدَةَ شَبَابِي، وَصِرتِ وَرْدَةَ عُمُرِي،
وَمَا بَيْنَهُمَا طُهرُ القَلبِ وَعَهدُ الإِنسَانِ لِمَن يُحِبُّ بِصِدقٍ».

فَسَكَتَتْ، وَسَكَنَ المَكَانُ.
فِي السُّكُونِ كَانَ صَوتُ العُمُرِ يَتَحَدَّثُ،
وَصَوتُ الوَفَاءِ يَرتَلُ آيَاتِ الحُبِّ فَوقَ الأَرضِ.
كَانَتِ الوَردَةُ تَرتَعِشُ بَينَ يَدَيْهِ كَأَنَّهَا تَخَافُ الزَّوَالَ،
وَكَانَتْ عُيُونُهَا تَسقِيهَا بِنَظَرَاتٍ مِن دُفءِ الأَلفِ سَنَة.

قَالَ لَهَا:
«كُنتُ أَخَافُ أَن تَغِيبِي قَبلَ أَن أَقُولَ مَا فِي قَلبِي.
كُنتُ أَخَافُ أَن تَرحَلِي وَالوَردَةُ مَا نَطَقَت.
فَأَتَيتُ اليَومَ، أَحمِلُ لَكِ كُلَّ مَا بَقِيَ مِنِّي:
عَينَايَ وَحَنِينِي وَذِكرَاكِ الَّتِي لَا تَشيخُ».

فَبَكَتْ، وَقَالَتْ بِنَبرَةٍ يَتَكَسَّرُ فِيهَا الصَّوتُ:
«لَقَد أَطَالَ اللهُ بِنَا العُمرَ،
لَكِنَّهُ لَم يُطِلِ الفَرحَ.
كَم لِيلَةٍ سَهِرنَا فِيهَا نَتَذَكَّرُ الشَّبَابَ،
وَكَم مَرَّةٍ قُلنَا: لَو يَعودُ ذَاكَ الزَّمَنُ لِسَاعَةٍ!»

فَقَالَ:
«لَا يَهمُّ الزَّمَنُ يَا رُوحِي،
فَالأَحِبَّةُ لَا يَعْرِفُونَ الأَعْوَامَ.
كُلُّ مَا أَتَمَنَّاهُ أَنْ نَبقَى كَمَا نَحنُ:
أَنْتِ تَستَحِينَ كَالصَّغِيرَةِ، وَأَنَا أُقدِّمُ لَكِ وَردَةً كَالأَوَّلِ».

فَضَحِكَتْ كَأَنَّهَا تَستَرِدُّ فَتَاهَا مِن طَيِّ الزَّمَنِ،
وَقَالَتْ وَهِيَ تَمسَحُ دُموعَهَا:
«هَذِهِ الوَردَةُ سَتَبقَى فِي قَلبِي،
سَأَضَعُهَا فِي جُرَّةِ الطِّينِ جَانِبَ السَّرِيرِ،
كَمَا كُنتُ أَضَعُ وَردَاتِكَ قَديماً وَأَنتَ تَذهَبُ لِلحَقْلِ».

فَنَظَرَ إِلَيهَا بِحَنَانٍ، وَقَالَ:
«إِنَّ الحُبَّ الَّذِي نَزرَعُهُ فِي قُلوبٍ نَقِيَّةٍ،
لَا يَذبُلُ وَلَا يَمُوتُ،
يُصبِحُ شَجَرَةً تُظِلُّنَا يَومَ نَشيخُ وَيُصبِحُ كَالعِطْرِ لَا يَغِيبُ».

تَسَاقَطَتْ دُمُوعُهُمَا عَلَى الوَردَةِ،
فَنَمَتْ مَلامِحُ ذِكرَى قَدِيمَةٍ فِيهَا،
كَأَنَّهَا تَتَنَفَّسُ مِن نَفَسِ الحُبِّ وَالذِّكرَى.

قَالَتْ وَعَينَاهَا تَلُوحُ فِيهَا الغُيُومُ:
«يَا رَفِيقَ العُمرِ،
كَم بَقِيَ لَنَا مِن وَقتٍ فِي هَذِهِ الدُّنيَا؟
أَتَظُنُّ أَنَّ اللهَ سَيَجمَعُنَا فِي الجَنَّةِ كَمَا جَمَعَنَا فِي الدُّنيا؟»

فَقَالَ وَهُوَ يَضَعُ كَفَّهُ عَلَى كَفِّهَا:
«إِنْ كَانَ الحُبُّ صَادِقًا، فَهُوَ دُعَاءٌ لَا يُرَدُّ.
سَنَلتَقِي، هُنَاكَ، تَحتَ ظِلٍّ لَا يَزُولُ،
فِي رَوضَةٍ لَا شَيخُ فِيهَا وَلَا دَمعٌ،
فَقَد أَحبَبتُكِ بِقَلبٍ لَم يُحِبَّ غَيرَكِ».

سَكَتَتِ المَشَاهِدُ، وَسَكَنَ المَكَانُ.
أَصَابِعُ الشَّمسِ تَتَسلَّلُ مِن نُقُورِ السَّقفِ،
تَكْتُبُ عَلَى وُجُوهِهِمَا حِكَايَةَ الوَفَاءِ.
الوَردَةُ عَلَى كَفِّهَا، تَتَنَفَّسُ كَأَنَّهَا قَلبٌ جَدِيد،
وَضَحِكَتُهُ تُشبِهُ وُعُودَ الحَيَاةِ،
وَكُلُّ مَا حَولَهُمَا يَغنِي:
هُنَاكَ حُبٌّ لَا يَعرِفُ الفَنَاءَ.

هُمَا العُمُرُ كُلُّهُ فِي لَحظَةٍ،
هُمَا المَعْنَى النَّقِيُّ لِكَلِمَةِ "نَحنُ".
لَا ذَهبَ فِي أَيدِيهِمَا، وَلَا قُصُورٌ،
بَل حَبٌّ بَسِيطٌ خَلَقَ مِن الخُشُوعِ جَمَالًا،
وَمِن الفَقرِ عِزَّةً، وَمِن التَّقَدُّمِ فِي السِّنِّ شَبَابًا أَبَدِيًّا.

تُطَفِّئُ الشَّمسُ لَحظَتَهَا،
وَيَبقَى الكَوخُ مَليئًا بِرَائِحَةِ الوَردِ وَالذِّكرَى،
تُسَجِّلُ الرِّيحُ أَسمَاءَهُمَا عَلَى الخَشَبِ،
وَتَهْتَزُّ النُّجُومُ حِينَ تَرَاهُمَا،
فَهُمَا دَرْسٌ فِي الحُبِّ لا يُنسَى،
وَرِسَالَةٌ تُقَالُ لِكُلِّ قَلبٍ:
إِنْ أَحْبَبْتَ، فَأَحْبِبْ كَمَا هُمَا أَحَبَّا،
بِصَمتٍ، بِدُونِ وَعْدٍ، وَبِكُلِّ البَقَاءِ.

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.