قصص وحكايات

حين يتذكر القلب من غاب

في هذه القصيدة تلامس الكلمات جراح الذكرى، وتعيد رسم حكاية حب توقف قبل أن يكتمل، حيث يشتبك الشوق بالخذلان وتهمس الوعود المنكسرة بحقيقة الغياب.

حين يتذكر القلب من غاب

أتذكّرك
في كلِّ زاويةٍ صامتةٍ من روحي،
في ركنٍ مهجورٍ كنتَ أنتَ ضوءه،
في غيمةٍ مرَّت فوق نافذتي،
وفي النسمةِ التي تخترق ظلال المساء
كأنها تحمل شيئًا منك…
نَبضًا… همسًا… وعدًا حائرًا
ما زلتُ أسمعه رغم غيابك.

أتذكّرك…
حين أتلمّس بقايا الأغاني القديمة،
تلك التي ضحكنا عند مقطعٍ فيها،
وتبادلنا النظرات عند آخر،
وكأن اللحنَ كان يعرف سِرّنا،
ويدري أن بيننا حكايةً
لم تولد كاملةً… ولم تمت كاملة.

وفي كل وعدٍ مرَّ بي،
كل كلمةٍ قلتها بثقةٍ ودفءٍ وصدقٍ مُفترض،
كل قسمٍ رددته عبر المسافات
بأن قلبي عندي… ولن يفتح بوّابةً لغيري،
بأنني الوحيدة التي سكنت أعماقك،
وأنني العرشُ الذي توَّجته بحضورك…
كنتَ تقولها،
وأنا كنتُ أصدقها
لأن الحبَّ حين يزور القلوب
يُعميها عن قياس الحقيقة.

لكن…
ثم ماذا؟
ها أنت لست هنا.
لا ظلّك يمر قرب نافذتي،
ولا صوتك يعاتب وحدتي،
ولا دفءُ كلماتك يجيء لتهدئة هذا البرد
الذي تركته في ضلوعي.

كيف استطعت؟
كيف خيّطت الصمتَ على فم شوقي؟
كيف قتلت تلك الأمنيات
التي كنتُ أربيها كطفلٍ في حضن الليل؟
كيف أطفأت شرارة حلمٍ
لم تُتح له فرصة أن يتنفّس؟

أخبرني…
أكنتَ أقوى من قلبي؟
أم كنتُ أنا أضعف مما ظننت؟
أم أنّا كنا حكايةً
تخشى أن تكمل الطريق،
فهربتَ منها قبل أن تشتد أقدامها؟

أحيانًا…
أسمع وقعك في ذاكرةٍ عنيدةٍ
ترفض أن تنساك،
أراك في انعكاس كوب الماء،
وفي ارتعاشة أصابعي،
وفي كل مرّة
أحاول أن أقنع نفسي
بأنك ماضٍ وانتهى
فتفضحني دمعةٌ
لم تتعلم بعد معنى النهاية.

يا من كنت الهواء…
كيف صرت غبارًا؟
يا من كنتَ القرب…
كيف صرتَ أبعد من خطوة حلم؟
يا من قلتَ لن تحب سواي…
كيف جعلتني «سواك»؟

أريد أن أعرف:
هل كنتَ تكذب؟
أم كنتَ تحب حقًا
لكن حبك كان ضيقًا عليك،
فهربت منه قبل أن يخنقك؟

هل تدرك الآن
أنك قتلت شيئًا فيَّ؟
لا… لم تقتلني دفعةً واحدة،
بل تركتني أنزف على مهل،
تركتني أتعلم الغياب قسرًا،
وأعيد ترميم نفسي كل مساء
كمن يرمم قصيدةً
سقط وزنها وتبعثر لحنها.

ومع ذلك…
ما زلت أتذكرك.

أتذكرك
في ضحكةٍ كنتَ تحبها،
وفي خوفٍ كنتَ تطمئنه،
وفي الطرقات التي مشيناها،
وفي اللحظات التي
كنتَ تقول لي فيها
إن الحياة دوني
لا تستقيم.

الغريب أن الحياة
لم تتوقف عند غيابك…
لكنني أنا
التي توقفت.

توقفت عند حرفٍ منك
لم يكتمل،
وعند وعدٍ منك
لم يُزرع فيه الصدق،
وعند نظرةٍ منك
كانت تبدو صافية
لكنها كانت تلوّح للرحيل
وأنا لم أفهم.

اليوم…
أجمع شتات روحي،
أمسح غبار غيابك،
وأفتح نافذةً
لريحٍ تُشبه بدايات جديدة.

لا أقول إني نسيتك،
فالنسيان ليس زرًا نضغطه،
ولا بابًا يُقفل فجأة،
لكنه عادةٌ
تتعلمها الروح
كما تتعلم المشي بعد سقوطٍ طويل.

ومهما طال الزمن…
سأظلّ أتذكرك،
لا لأنك تستحق،
بل لأن قلبي
كان صادقًا أكثر مما ينبغي.

ولأن الحكايات الناقصة
تبقى أطول في الذاكرة
من الحكايات التي اكتملت.

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.