في لحظة صامتة عند نافذة تطل على البحر، تجلس امرأة بين الكتاب والضوء، يلتقي فيها الفكر بالعاطفة، ويولد من السكون قصيدة حب لا تُقال بل تُحس.
جلستْ عندَ نافذةٍ تُطلُّ على المدى الأزرق،
حيثُ الموجُ يُداعبُ أسرارَ الصخر،
وحيثُ الضوءُ ينسكبُ كالعسلِ على كتفِ الصباح،
كانتْ وحدها...
لكنَّ الوحدةَ لم تكن قسوةً،
بل كانت حضنًا من سكونٍ جميلٍ،
تغزلُ فيهِ حروفَها بين صفحاتِ كتابٍ
كأنّها تُعيدُ ترتيبَ العالمِ بخيالها.
في ثوبٍ من الندى والنقاء،
تميلُ برأسِها قليلاً نحوَ الكلمةِ،
كأنّها تستمعُ إلى حكايةٍ من زمنٍ نسيَ البحرَ أسماءَ العشّاقِ فيه.
وجهُها لوحةٌ صامتة،
تتداخلُ فيها أنفاسُ الشمسِ مع ظلِّ الستارة،
وعيناها نافذتانِ إلى ما وراءَ المدى،
حيثُ الحلمُ يلتقي بالحقيقةِ في منتصفِ المسافة.
يا لتلك اللحظة،
كيفَ جمعتْ بين صفاءِ النهارِ ودفءِ الحنين،
بينَ الكتابِ الصامتِ والبحرِ الهادر،
بينَ العقلِ الذي يقرأُ،
والقلبِ الذي يُحبُّ دونَ أن يتكلم.
كانتْ الريحُ تمرُّ خفيفةً على شعرِها النحاسي،
تبعثرُ بعضَ الخصلاتِ على وجهِها،
وكأنّها رسالةُ حبٍّ من الموج،
أرسلها البحرُ عبرَ نافذةٍ مفتوحةٍ على الأبد.
هي لا تدري،
أنَّ البحرَ حينَ يراها يهدأ،
وأنَّ الموجَ حينَ يلمحُ ظلَّها،
يعودُ طفلًا خجولًا أمامَ أنوثةٍ لا تُفسَّر.
في يدِها كتابٌ،
لكنّ العنوانَ لم يكنْ مهمًّا،
فهي لا تقرأُ الحروفَ فقط،
بل تقرأُ نفسَها بينَ السطور،
تقرأُ وجعَ النساءِ اللواتي انتظرنَ في صمت،
وحلمَ اللواتي أحببنَ دونَ أن يُقالَ لهنَّ أحبكِ.
تقرأُ لتنسى... أو لتتذكّر،
لا فرقَ، فكلُّ قراءةٍ هي شكلٌ من أشكالِ الحنين.
كانَ في الزاويةِ كأسُ ماءٍ يلمعُ كالياقوتِ الشفاف،
كأنّهُ يشاركُها التأمل،
يُصغي معها إلى صوتِ البحرِ وهوَ يتنفسُ،
وإلى العصفورِ العابرِ يُلقي تحيّةً خجولةً ثم يمضي.
المكانُ كلُّهُ كانَ قصيدةً،
وهي كانتْ عنوانَها الوحيد.
تبدو كمن هربَ من ضجيجِ المدينةِ لتستعيدَ صمتَها،
كمن اختارَ المنفى الطوعيَّ من أجلِ لقاءٍ مع ذاتِها،
كمن تُحبُّ البحرَ لا لأنهُ واسع،
بل لأنهُ يُشبهُ صدرَها حينَ يضيقُ بالحبّ.
يا تلكَ التي على حافةِ الضوء،
كم أنتِ قريبةٌ من الحلم،
كم أنتِ بعيدةٌ عن العالمِ الذي لا يُحسنُ فهمَ الجمال.
في وجهِكِ شيءٌ من الوردِ حينَ يتعبُ من العطر،
وفي صمتِكِ ضجيجُ القصائدِ التي لم تُكتبْ بعد،
وفي نظرتِكِ بحرٌ آخر،
لا يعرفُ أحدٌ عمقَهُ سوى قلبك.
كأنَّ الشمسَ توقّفتْ لتراكِ،
والبحرَ كفَّ عن تموّجهِ ليصغي،
وكأنَّ الزمانَ جثا على ركبتيهِ احترامًا لتلكَ اللحظة.
كلُّ شيءٍ في الصورةِ ينتمي إليكِ،
حتى الضوءُ ينسابُ على كتفِكِ كأنهُ وُلدَ هناك.
حتى النسيمُ يخافُ أن يزعجَ خصلاتِ شعركِ،
حتى الورقُ بينَ يديكِ يخجلُ من صمتِ أصابعك.
يا امرأةَ الحلمِ...
كم مرَّ من مثلكِ على النوافذِ،
لكنَّ أحدًا لم يكتبْ عنهم،
لأنَّ أحدًا لم يرَ الجمالَ حينَ يقرأ.
الناسُ يرونَ الجمالَ في الملامح،
أما أنا فأراهُ في تلكَ اللحظةِ التي يُصبحُ فيها الفكرُ صلاة،
وفي اليدِ التي تحملُ كتابًا كما لو كانتْ تحملُ قلبًا ينبض.
لو علمَ البحرُ أنّكِ تُقيمينَ في نافذتِهِ،
لأرسلَ نوارسَهُ تغنّي لكِ،
ولصارَ الموجُ مرآةً كي تري وجهَكِ في مائه.
لكنهُ صامتٌ مثلكِ،
يعرفُ أنّ بعضَ القصائدِ لا تُقال،
بل تُعاشُ بينَ سطرٍ وآخر،
بينَ تنهيدةٍ وابتسامةٍ خفيّة.
ولعلّ الكتابَ الذي تقرئينَهُ الآن
هو آخرُ ما تركَهُ حبيبٌ غابَ مع السفن،
أو أولُ وعدٍ من حُبٍّ لم يأتِ بعد.
ربّما الكلماتُ التي تمرُّ عليها عيناكِ
تحملُ ملامحَ ذلكَ الذي يسكنُ البحرَ ويعودُ في كلِّ مساءٍ
على هيئةِ موجةٍ تمسحُ ظلَّكِ على النافذة.
يا لحُسنِكِ حينَ يختلطُ بالحلم،
وحينَ يُصبحُ الجمالُ سهلًا وعميقًا في آنٍ واحد،
وحينَ تُشبهينَ القصيدةَ التي تُكتَبُ دونَ ورق،
بل على رملِ الروحِ مباشرة.
يا لوحةً رسمها الضوءُ بيده،
وحفظها البحرُ في ذاكرتهِ كي لا يشيخ.
يا امرأةً من صمتٍ وندى،
من فكرٍ ودهشةٍ وقراءةٍ تُشبهُ الغياب.
ما أجملكِ وأنتِ في هدوءٍ يُربكُ العاصفة،
وفي بساطةٍ تُعلّمُ العالمَ معنى الرقيّ.
لا تحتاجينَ إلى الكلامِ لتُقنعي،
ولا إلى الزينةِ لتُبهري،
يكفي أن تجلسي عندَ النافذةِ
ليولدَ الشعرُ من ملامحِكِ دونَ إذن.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.