حين يعجز الشوق عن الوصول، يتحوّل إلى قصيدة تُقال أمام الجميع، كلمات تنبض بالحب والغياب، وتأخذك في رحلة داخل قلبٍ لم يعرف الاكتفاء إلا باسمٍ واحد.
اشتقتُ لك كثيرًا…
حتى صار الشوق لغةً لا تُترجم،
وصرخةً لا تحتاج بريدًا ولا عنوانًا،
لذلك لم أستطع إرسالها لك،
فقررتُ أن يراها الجميع،
علّ العيون تحملها عني،
وعلّ الريح تُتمّ ما عجزت عنه الرسائل.
أشتاقك اشتياق من أضاع صوته في الزحام،
فصار قلبه ينطق بدلًا عنه،
أشتاقك كما يشتاق الليل قمره
حين يطول الغياب وتبرد السماء،
وكما يشتاق المطر أرضًا تشققت
من طول الانتظار.
أقسمُ بمن وضع حبك في قلبي دون حولٍ مني ولا قوة،
أنك جئتني قدرًا لا اختيارًا،
دخلتَ مسامات الروح بلا استئذان،
وسكنتني كأنك الاسم القديم لقلبي
الذي نسيه ثم تذكّره حين رآك.
أقسمُ أنك حين حضرت
لم يبقَ للحياة معنى يُغنيني عنك،
ولا وجهًا يستحق الالتفات،
كنتَ كفاية الروح حين أعياها السؤال،
وطمأنينة القلب حين أرهقه الشك،
وصوت اليقين حين ضجّ الصمت.
أنا بك في غنى عن الحياة ومن فيها،
لستُ أزهد بالعالم،
لكنني وجدت عالمي فيك،
فما حاجتي لأبوابٍ كثيرة
وقد صار صدرك بابي الوحيد؟
وما حاجتي لمدنٍ بعيدة
وقد سكنتُ وطنًا في عينيك؟
كأنك مسحتَ على قلبي بيمينك،
وقلتَ: بسم الله أُرقيه،
فهدأ ما كان يضجّ،
وسكن ما كان يتكسّر،
وانطفأت حروبٌ طويلة
لم يكن يعلم أحد بوجودها.
قلتَ لقلبٍ أنهكه الخوف: لا تخف،
ولروحٍ تعبت من السقوط: انهضي،
فنهضتُ دون أن أشعر،
وكأن يدك لم تلمس صدري فقط،
بل أعادت ترتيب نبضي
على إيقاع اسمك.
لا أحد غيري يسكنك أو يحتويه،
ولا أحد غيرك يسكنني بهذا العمق،
نحن حكاية لا تتقنها الجموع،
ولا تفهمها العيون العابرة،
نحن سرٌّ بين قلبين
اتفقا على الصدق
واختلفا مع العالم.
أشتاقك حين أضحك،
لأن الضحك ناقص دونك،
وأشتاقك حين أبكي،
لأن دموعي تبحث عن كتفك،
وأشتاقك في منتصف الكلام
حين تخونني الجملة
ولا يخونني الشعور.
أشتاقك حين يهدأ المساء
وتنام المدن،
وحين يعلو الضجيج
وتتعب الطرقات،
في كل وقتٍ أنت حاضر
كأن الغياب لم يُخلق لنا.
أشتاقك اشتياق من يكتب اسمه
على جدران الذاكرة
خشية أن يضيع،
ومن يخبئ صورتك في القلب
خوفًا من أن تخون الذاكرة يومًا.
يا من صرتَ دعائي الذي لا يُعلن،
وضعفي الذي لا أخجل منه،
وقوتي حين أتهالك،
يا من علمتني أن الحب
ليس كلمة تُقال،
بل طمأنينة تُعاش.
حين تغيب،
لا يغيّرك الغياب في قلبي،
بل يزداد حضورك،
تصير أدقّ،
أوضح،
أقرب،
كأن البعد عدسة
تقرّب ملامحك أكثر.
أحادثك في سري،
وأضحك من ردودك المتخيلة،
وأعاتبك عتاب العاشق
الذي يعرف أن الحب
أكبر من كل عتاب.
لو تعلم كم مرةٍ
مددتُ يدي للرسائل ثم تراجعت،
وكم مرةٍ كتبتُ اسمك
ومسحته خوفًا عليك،
لأدركت أن الصمت أحيانًا
أشدّ حبًا من الكلام.
أنا لا أطلب منك وعدًا،
ولا أخاف من الغد،
يكفيني أنك اليوم في قلبي،
وأن الأمس بك كان جميلًا،
وأن الغياب مهما طال
لا يملك مفتاح قلبي.
أقسمُ أن حبك ليس عابرًا،
ولا طارئًا،
ولا نزوة قلب،
هو يقين يشبه الصلاة،
كلما ضاقت بي الحياة
ركعتُ في حضرته.
إن قلتُ إنني اشتقتُ
فأنا أقلّل من الحقيقة،
فالشوق لك أكبر من اللغة،
وأوسع من المسافات،
وأصدق من كل ما يُقال.
فإن مرّ هذا الكلام أمامك يومًا،
فاعلم أنني لم أكتبه
ليقرأه الجميع فقط،
بل كتبته لأن قلبي
لم يجد طريقًا آخر إليك.

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.