قصيدة دق الباب بين الانتظار والحنين

حين يطرق الباب، لا يكون الصوت خشبًا فقط، بل ذاكرةً كاملة تعود فجأة. قصيدة تأخذك إلى لحظة الانتظار، حيث يقف القلب بين وهم العودة وصدق الغياب.

قصيدة دق الباب بين الانتظار والحنين والعودة المؤلمة للحب

القصيدة

دقَّ الباب…
فارتجفَ الصمتُ في صدري، وتعثّرَ الليلُ عند العتبة،
كأنّ الخشبَ عرفَ وقعَ الخطى قبل أن تعرفهُ الروح.

دقَّ الباب…
ولم يكن الطرقُ صوتًا فقط، كان سؤالًا قديمًا
عاد من منافي السنين، يحملُ غبار الانتظار
ورائحة الوجع المؤجَّل.

قلتُ:
لعلَّهُ جاءَ دونَ ميعاد، فالقلوبُ لا تعرفُ التقويم،
ولا تحترمُ عقاربَ الساعة، هي تأتي حين تضيقُ بها الغربة
وحين يفيضُ الشوقُ عن احتماله.

لعلَّهُ اشتاقَ إليَّ رغمَ كلِّ البُعد،
رغمَ الجدرانِ التي بنيناها من كبرياءٍ مكسور،
ورغمَ المسافاتِ التي صارت
أوسعَ من الحنين.

دقَّ الباب…
وقلبي يهربُ من صدري، يجري خلفَ الصوت،
يعبرُ البلادَ كلَّها في نبضة، لا يحملُ جوازَ سفر
سوى اسمِه.

عيناي…
كم انتظرتا رؤياه، كم سهرتا مع النوافذ
تعدّان المارّين، وكم توسّلتا لربِّ العباد
أن يكونَ القادمُ هو لا ظلَّه
ولا خياله.

أتراهُ خلفَ هذا الباب؟
أم أنّه سرابٌ آخر يجيدُ التمثيل؟
أتراهُ عادَ فعلًا أم أنّ الذاكرةَ
تلعبُ بي لعبةَ الأملِ الكاذب؟

دقَّ الباب…
فارتعشَ قلبي بين “نعم” و “لا”،
بين صدقِ العودة وخديعةِ الوهم،
بين رغبةٍ في الفتح وخوفٍ من أن ينفتحَ الجرح.

كيفَ يعودُ بالفرح
من أقامَ في قلوبِنا حداد؟
كيفَ يحملُ الضحكة من علَّمَ الدموع
لغةَ الإقامة؟

كيفَ تبتسمُ أيامُنا
وهو من علّقَ على جدرانها صورَ الفقد؟
وكيفَ تُزهرُ الساعات وهو من مرَّ عليها
كريحٍ باردة؟

دقَّ الباب…
فتذكّرتُ المزاد، حين بِعنا أحلامَنا
بأبخسِ الأثمان، حين راهنّا على البقاء
فربحَ الرحيل.

نحنُ…
الذين كتبوا الحبَّ حتى غرقَ القلمُ في المداد،
حتى تعبَ الحرفُ من كثرةِ الاعتذار،
حتى شاخَ الكلام وما شاخَ الوجع.

عمرُنا في الحب
أوشكَ على النفاد، صار مثلَ شمعةٍ
تذوبُ من كثرةِ الانتظار، تُنيرُ أكثرَ مما تحتمل
ثم تنطفئُ فجأة.

دقَّ الباب…
فسمعتُ ضجيجَ الذكريات، ضحكتُنا الأولى،
خصامُنا الصغير، رسائلُ الليل
ووعودُ الصباح، كلُّها تدافعَت
نحو الباب.

لكن…
ماذا لو فتحتُ وكانَ القادمُ غيرَه؟
ماذا لو كانَ وجهًا يشبههُ قليلًا
ولا يعرفُ قلبي؟

وماذا لو فتحتُ وكانَ هو؟
هل أملكُ قلبًا آخر أقدّمهُ قربانًا؟
أم أنّ هذا القلب تعلّمَ أخيرًا
كيفَ يحمي بقاياه؟

دقَّ الباب…
ووقفتُ طويلًا بين يديَّ والمقبض،
بين شجاعةِ اللقاء وحكمةِ الانسحاب،
بين أن أصدّقَ الطرق
أو أصدّقَ ما بقيَ منّي.

ما عادَ لنا حبّ نُغامرُ بهِ بسهولة،
وما عدنا نشتهي شيئًا سوى قلوبٍ
تكرهُ البُعد كما نكرهه،
ولا تجيدُ الرحيل.

دقَّ الباب…
فقلتُ للصوتِ في داخلي:
إن كانَ هو، فليطرقَ مرّةً أخرى
بصدق، وإن كانَ وهمًا فليتعبَ من الانتظار.

وبقيتُ…
أُصغي، وقلبي معلّقٌ بين الخوفِ والرجاء،
بين بابٍ لم يُفتح
وحياةٍ لم تُغلق.

سحر العيون
بواسطة : سحر العيون
أكتب وأعبّر عن أفكاري ومشاعري من خلال القصص والقصائد، أستوحي إلهامي من تفاصيل الحياة والخيال. أكتب لألامس القلوب وأثير التأمل في المعاني الإنسانية. أؤمن بأن الكلمة قوة قادرة على التغيير والإلهام، وأجد في الكتابة عالمي الذي أتنفس فيه الإبداع.
تعليقات