في ركنٍ يبتسم له الصباح، تتراقص نسائم الحلم حول فتاة الريف، حيث الماء والزهور والضوء ينسابون معها في سيمفونية من الصفاء والجمال الأزرق. اكتشفوا سحر لحظاتها في هذه القصيدة.
في رُكنٍ يبتسمُ الصباحُ له،
تنسابُ نسائمُ من نسيجِ الحُلم،
حيثُ جدارٌ أبيضُ يشبهُ الغيمَ المضيءَ،
وحيثُ الزهرُ يُحادثُ الضوءَ بوشوشةٍ لا تُفهم،
تجلسُ هي،
فتاةُ الريفِ التي خُلِقت من ندى الورود،
تُلامسُ الماءَ كأنها تُحادثُهُ،
تغسلُ روحها قبل يديها،
وتبتسمُ للموجةِ التي ترقصُ في الكفِّ كطفلٍ صغير.
عيناها نغمتان من السكينة،
وشَعرُها المنسدلُ كليلٍ مطيعٍ،
يُخفي بين خُصلاتهِ سرّ الغياب،
ويستفيقُ عليهِ الضوءُ بخجلٍ،
كأنَّ الفجرَ نفسهُ تأخَّرَ حتى تراها.
يا ابنةَ الوردِ والريحان،
يا أنشودةَ البيوتِ الطينيّة،
كم من القصائدِ سَكَنَت في مشيتكِ،
وكم من الأغاني تُنشدها الطيورُ حين تمرّين.
في يدِكِ ترتجفُ قطرةُ ماء،
لكنها لا تسقط،
فهي تعلم أنَّ من يمسّها،
تتحولُ إلى نغمةٍ لا تموت.
المكانُ حولكِ لوحةٌ من السكون،
كرسيٌّ ينتظرُ جالسًا من زمنٍ بعيد،
زهورٌ حمراءُ تبتسمُ للنافذةِ،
وسقفٌ تتدلّى منهُ أحلامُ المساء.
كلُّ شيءٍ هنا يعرفُكِ،
الحائطُ يعرفُ دفءَ كتفكِ،
والظلُّ يحفظُ خُطا ثوبكِ الأزرق،
حتى البابُ الخشبيُّ القديم،
يفتحُ صريرهُ كتحيّةٍ لكِ كلّ صباح.
أغنيةُ الماءِ تتبعُ أصابعكِ،
تتمايلُ كعازفٍ على نايٍ قديم،
ووجهُكِ يعكسُ السماءَ كمرآةٍ من نقاء.
هل تعلمين؟
حين تهمسينَ باسمِ الورد،
ينحني الغصنُ احترامًا،
وحينَ ترفعينَ نظركِ نحو الضوء،
تتبعكِ الفراشاتُ كالأمنيات.
يا زهرةَ الحنين،
يا من تسكنينَ ما بينَ الأسطورةِ واليقظة،
كيف استطعتِ أن تجمعي
بين رائحةِ الطفولةِ وأناقةِ الأبد؟
في فستانكِ الأزرق،
تسكنُ البحارُ القديمة،
وفي خصركِ الضيقِ،
حكايةُ الريحِ التي لا تُروى.
تبدوين كأنكِ خرجتِ من أغنيةٍ ريفيّةٍ
غنّاها راعٍ في المساء،
حينَ كانَ القمرُ صغيرًا
والعشقُ أكبرَ من الحدود.
يا ابنةَ الصباح،
من أينَ لكِ كلُّ هذا الهدوء؟
أهو من دعاءِ الأمهاتِ في القرى؟
أم من صلاةِ العصافيرِ قبلَ المطر؟
كلُّ شيءٍ فيكِ يُعيدُ ترتيبَ العالم،
كأنَّكِ ولدتِ لتذكّري الأرضَ
أنَّ الجمالَ لا يُصنع،
بل يُولَدُ من قلبٍ يعرفُ الحُبّ.
في تلكَ اللحظة،
حينَ لامسَت أصابعُكِ الماء،
سمعتُ الكونَ يُغنّي،
وسمعتُ أقدامَ الزمنِ تتوقف،
وحتى الريحُ
توقفت لتستمعَ إليكِ.
تغسلينَ وجهَ الحلم،
وتُعيدينَ للمكانِ صفاءهُ،
تُحركينَ سطحَ الماءِ برفق،
فيتّسعُ في قلبهِ قوسُ قزحٍ خفيّ.
كم هي جميلةٌ الحكايةُ حينَ تكونينَ فيها،
وكم تبدو الحياةُ بريئةً
حينَ تُلامسُها يداكِ.
أيتها النقية،
أخبريني:
هل أنتِ من هذا العالم؟
أم من زمنٍ آخر،
حينَ كانت النساءُ يشبهنَ الورد،
وكانت المرايا تخجلُ من انعكاسِ الجمال؟
كأنكِ خرجتِ من قصيدةٍ قديمةٍ
كتبها شاعرٌ نسيَ اسمَهُ،
لكنهُ تذكّرَ وجهكِ،
فصارَ يكتبهُ في كلِّ صباح.
لو أنَّ الماءَ ينطق،
لقالَ إنّهُ يذوبُ من لمسةِ يديكِ،
ولو أنَّ الزهرَ يفهمُ اللغة،
لكتبَ اسمكِ على كلِّ بتلةٍ،
ولو أنَّ الضوءَ يعرفُ العشق،
لتجمّدَ حولكِ دهشةً للأبد.
أيتها الساكنةُ في عطرِ الريحان،
يا أنشودةَ السنين،
كلُّ شيءٍ فيكِ يغنّي،
حتى الصمتُ في حضرةِ عينيكِ
يصبحُ موسيقى.
وأنا،
أقفُ عندَ عتبةِ القصيدة،
أغمسُ قلبي في هذا المشهد،
وأكتبُكِ كما تكتبُ السماءُ مطرَها:
دونَ خوف،
ودونَ انتظار.
يا فتاةَ البئرِ والماءِ والضوء،
يا من ترتّبينَ الفجرَ كما يُرتّبُ الشاعرُ أبياتَهُ،
علمينا كيفَ يكونُ الصفاءُ سلوكًا،
وكيفَ يُصبحُ الحُبُّ صلاة.
فإن كانتِ الحياةُ لوحةً،
فأنتِ لونها الأزرق،
وإن كانَ العالمُ أغنيةً،
فأنتِ لحنها الأولُ والأخير.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.