في المسافة التي تفصل بين سؤالٍ مُرتجف وجوابٍ مُثقل بالتجربة، وُلدت هذه القصيدة… قصيدة لا تُعيد الحوار كما كان، بل تُفكّكه، وتزرع شظاياه في جسد المعنى، حتى يصبح الحب حكاية تُروى لا لتُستعاد، بل لِتُفهم.
القصيدة
في البدء
لم يكن السؤال بريئًا،
كان يعرف الإجابة،
لكنه خاف أن يسمعها بصوتٍ عالٍ،
فقال بصوتٍ يشبه الرجاء:
هل ما زلتِ…
تحبينني؟
لم تجبه فورًا،
تأملت وجهه كما يتأمل المسافر خريطةً قديمة،
تعرف طرقها
لكنها لم تعد تصلح للوصول.
قالت نعم،
نعم التي لا تُنقذ،
نعم التي لا تُقيم،
نعم التي تشبه الضوء
حين لا يكفي لتدفئة الغرفة.
لم تكن قاسية،
كانت صادقة،
والصدق أحيانًا
أشد فتكًا من الكذب.
سألها عن نفسه،
عن مكانه في حياتها،
عن أثره في تفاصيل أيامها،
فقالت:
كنتَ في القلب،
هناك حيث تُخبّأ الأشياء الثمينة،
لكن القلب لا يوقّع قرارات المصير،
ولا يكتب عقود البقاء.
احتجّ،
كيف لا يكفي القلب؟
كيف لا يكون كافيًا
وهو الذي ينبض باسمك؟
فأجابته بهدوءٍ موجع:
القلب يعرف الحب،
لكنه لا يعرف الطريق،
ولا يُجيد الحساب
حين تصبح الأيام أثقل من المشاعر.
قال إنه كان يفعل كل شيء
ليُبقيها بخير،
ليحمي ابتسامتها من الانطفاء،
ليسبق وجعها بخطوة.
ابتسمت بحزن،
وقالت:
وفعلت،
بإخلاصٍ لا يُشكّ فيه،
لكنك نسيت أن تسأل عن نفسك،
ومن ينسى ذاته
يضيع وهو يُنقذ الآخرين.
كان يضعها أولًا،
دائمًا أولًا،
قبل نفسه،
قبل تعبه،
قبل أحلامه المؤجلة.
قالت له:
ولهذا تعبتُ،
لأن الحب الذي يُلغي صاحبه
لا يُنقذ أحدًا،
بل يصنع ضحيةً إضافية.
تساءل إن كان قد أخطأ
حين أحبّها،
فلم تنفِ الحب،
لكنها صحّحت المسار:
أخطأت حين جعلتني مركز الكون،
لا شريكًا فيه،
العطاء حين يفيض بلا توازن
يُربك المتلقي
ويُنسيه قيمة المُعطي.
كان الألم الحقيقي
ليس الفراق،
بل وهم الامتلاك،
أن يشعر أنها له
بينما لم تكن يومًا
في متناول يده.
قالت له إنها كانت تتألم أكثر،
أن تراه قريبًا
حدّ الوجع،
بعيدًا
حدّ الاستحالة.
سألها لماذا رحلت،
ألم يكن الحب كافيًا؟
فأجابت بما يشبه الاعتراف الأخير:
الحب كان كافيًا
لِنجرح معًا،
لا لننجو معًا،
كنتُ أحتاج رجلًا يصل،
لا قلبًا يقف عند الرغبة
ويخاف العبور.
قال إنه كان يحاول،
يحاول بكل ما يملك،
بكل ما يعرف.
قالت إنها تعرف،
لكن المحاولة التي لا تُثمر
تتحول مع الوقت
إلى خيبة
تُنهك الروح.
اعترف بخوفه،
كان يخاف أن يخسرها،
فقالت إنها خسرت نفسها
وهي تنتظره،
والانتظار حين يطول
يأكل ما تبقّى منّا.
سأل عن الزمن،
عن فرصةٍ ثانية،
عن احتمال العودة.
قالت:
كنتُ سأحبك بنفس الصدق،
لكنني سأغادر أبكر،
قبل أن يصبح وجعي عادة،
وقبل أن أُجيد التعايش مع الألم
كأنه جزء من شخصيتي.
ثم ساد الصمت،
ذلك الصمت الذي لا يُغلق الحديث
بل يُنهيه،
الصمت الذي يترك كل كلمة
تبحث عن مكانها في الذاكرة.
لم يكن أحدهما مخطئًا تمامًا،
ولا كان أحدهما على حق،
كانا فقط
شخصين أحبا بطرقٍ مختلفة،
فالتقيا في الألم
وافتَرَقا عند النجاة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.