حين تظن أن الحياة هدأت، يبعث القدر برسالةٍ تغيّر كل شيء.
في هذا الجزء المليء بالمفاجآت، تكتشف أم مريم أن الماضي لا يموت، وأن الطاحونة تخبئ أسرارًا لم تُفتح صفحاتها بعد...
الفصل الأولى
لم أعد أستيقظ على صراخ الخوف كما كنت، بل على صوت الموج البعيد حين يصطدم بصخور الساحل خلف القرية.
بعد أن استعادت الطاحونة أنفاسها، قررت أن أبدأ عملًا صغيرًا يساعدني ومريم على المعيشة، فصرنا نبيع السمك الطازج الذي يجلبه الصيادون مع الفجر.
كنت أحمّل السلال على ظهر الحمار، وأمشي في الطريق الترابي الممتد بين الحقول والبيوت الطينية، ورائحة الطين المبتل تملأ صدري بشيء يشبه الطمأنينة.
كان الصباح في قريتنا يبدأ برغيفٍ ساخن وصوت مؤذنٍ عجوز ينادي للصلاة،
ثم ينهمك الناس في رزقهم كأنهم جيشٌ صغير يحارب الجوع بالصبر والابتسامة.
وقفت أمام بيت أم جابر أطرق الباب بعصا الحمار، فخرجت تضحك:
– صباح الخير يا أم مريم، ريحة البحر سبقتك اليوم!
– الخير علينا وعليكِ يا أم جابر، اليوم الصيد وفير، شوفِي السمك كيف يبرق من الطراوة.
مدّت يدها إلى السلة تتفقدها، ثم قالت وهي تضحك:
– الله يبارك، ما شاء الله… كأن البحر صافي ع قلبك.
ضحكت وأنا أمسح العرق عن جبيني:
– البحر زي القلب يا أم جابر، يعطي على قدر صفائه.
تجمّع بعض الأطفال حول الحمار، يضحكون ويحاولون مداعبته، ومريم تقف بجانبي تساعدني بحماسٍ طفولي.
– ماما، شوفي، رعد صار يحب الحمار!
ضحكت الجارة:
– حتى الحيوانات تحب الطيبة يا بنتي.
كان في تلك اللحظات شيء من الجمال البسيط الذي يُنسِي الهموم،
كأن القرية كلها تتنفس حياةً جديدة، لا تشبه ما كانت عليه قبل شهورٍ قليلة.
لكن رغم هذا الهدوء، كنت أشعر أن الريح تحمل في طياتها خبراً لا يُطمئن…
الفصل الثاني
في ذلك اليوم، بعد أن أنهيت البيع وعدت إلى الطاحونة، وجدت رسالة صغيرة موضوعة عند الباب.
ورقة مطوية بعناية، كُتب على وجهها بخطّ رجولي: "إلى صاحبة الطاحونة."
ترددت لحظة، ثم فتحتها وبدأت أقرأ:
“لم تنتهِ القصة بعد… بعض الديون لا تُسدّد بالمال، بل بالحقيقة.”
تجمدت يداي، وشعرت أن الأرض تميد بي.
من كتب هذه الرسالة؟ وكيف وضعها هنا دون أن يراه أحد؟
جلست على حجرٍ قرب الباب، أتنفس بصعوبة.
هل عاد سامر؟
لكنه غادر منذ شهرين، إلى المدينة، بعد أن ودّعنا بابتسامةٍ حملت من الغموض أكثر مما حملت من الوداع.
بينما كنت غارقة في التفكير، ظهرت مريم تركض نحوي وهي تصيح:
– أمي! أمي! جايينا ضيف!
رفعت رأسي فرأيت رجلًا قادمًا من بعيد، يركب درّاجة نارية متهالكة، والغبار يلتفّ حوله كسحابةٍ رمادية.
حين اقترب، عرفت أنه سالم ابن عمّي، الذي لم أره منذ وفاة والدي.
ترجّل عن دراجته وهو يبتسم بخجل:
– السلام عليكم يا أم مريم، اشتقنا لك وللقرية.
– وعليكم السلام، حيّاك الله يا سالم، ما الذي أتى بك بعد كل هذه السنين؟
– أتيت أبحث عن شيءٍ تركه عمّي إبراهيم… أوراق تخصّه، قيل لي إنها عندك في الطاحونة.
شعرت أن قلبي توقف عن النبض.
أوراق والدي؟
لقد احتفظت بها كلها، خاصة الرسالة التي كشفت لي سر سامر ووالده.
– أي أوراق تقصد؟
– لا أعلم تحديدًا، لكن والدي أوصاني قبل موته أن أبحث عنها، قال إنها تتعلق بأرضٍ قديمة ووصيةٍ لم تُنفذ.
تبادلت معه نظراتٍ طويلة، ثم قلت بحذر:
– تعال غدًا، وسأبحث لك عنها.
هزّ رأسه موافقًا، لكنه ألقى نظرةً غريبة على الطاحونة قبل أن يرحل، نظرةً لم أفهم معناها…
الفصل الثالث
في الليل، جلست قرب الموقد أتأمل النار وهي تلتهم قطع الحطب ببطء،
ومريم نائمة في حضني، ورعد مستلقٍ قرب الباب يحرسنا بعينه نصف المغلقة.
أخرجت الرسالة التي وجدتها نهارًا، ووضعتها بجانب أوراق والدي القديمة.
كانت بينها خريطة صغيرة، رسم بدائي لقطعة أرضٍ قرب الساحل.
لم أكن قد أوليتها اهتمامًا من قبل، لكن الآن بدت لي كأنها المفتاح لكل ما يجري.
في الصباح، حملت الأوراق إلى الطاحونة لأراجعها في ضوء النهار.
وأثناء انشغالي بها، مرّت أم جابر تحمل جرتها على كتفها، وقالت وهي تبتسم:
– من بدري والهمّ باين على وجهك، شو في يا أم مريم؟
– يمكن حلم قديم صحى فجأة…
– إحنا أهل القرية ننام على الهم ونقوم عليه، بس الله دايمًا بيفرجها.
ضحكت رغم قلقي وقلت:
– إن شاء الله يا أختي.
وفي تلك اللحظة، لاحظت شيئًا غريبًا: على إحدى الأوراق ختم باهت يحمل اسم “يوسف عبد الرحمن” — والد سامر!
تسارعت أنفاسي…
إذن الرسالة التي وُضعت عند الباب ليست صدفة، وسالم لم يأتِ عبثًا.
هل يمكن أن تكون هناك وصية مخفية تجمع بين والدي ويوسف؟
رفعت رأسي نحو البحر البعيد، وصوت الموج كان أقرب إلى همسٍ غامض،
كأنه يقول: “القدر لم يُغلق صفحته بعد.”
الفصل الرابع
في المساء، بينما كنت أعود من السوق ومعي سلال السمك، اقترب مني أحد الصبية وسلم عليّ وهو يناولني ظرفًا صغيرًا.
– هذا من رجلٍ قال إنك تعرفينه.
فتحت الظرف بسرعة، وفيه جملة واحدة بخط مألوف:
“غدًا مع الغروب، عند شجرة الزيتون، سنكمل ما بدأه الآباء.”
ارتجفت يداي.
الخط… هو نفسه خط سامر!
هل عاد دون أن يخبر أحدًا؟ ولماذا كل هذا الغموض؟
نظرت إلى البحر البعيد، كانت الشمس تغيب ببطء خلف الموج، والسماء تكتسي بلونٍ نحاسيّ كأنها تخبئ سرًّا.
في تلك اللحظة، شعرت بشيءٍ في داخلي يقول إن الغد لن يكون عاديًا،
وأن القدر، الذي منحنا بعض الهدوء، يستعدّ الآن ليعيد دوران طاحونته من جديد.
عدت إلى البيت، وضعت السلال، وجلست على العتبة، أراقب مريم وهي تضحك مع رعد في الحوش،
وهمست لنفسي:
“كلما اعتقدنا أن الحكاية انتهت، يكتبها القدر من جديد، بحبرٍ لا يُمحى.”
رفعت نظري إلى الطريق الذي يختفي بين أشجار النخيل،
كان السكون كثيفًا،
لكنّي أقسم أني رأيت في آخره ظلّ رجلٍ يقف يراقب من بعيد…
ثم اختفى كما لو أن الريح ابتلعته.
ابتسمت رغم الخوف الذي تسلّل إلى صدري،
فأنا أعلم الآن أن الغد سيحمل فصلًا جديدًا من هذه الرواية،
فصلًا لن يكتبه أحد…
إلا القدر نفسه.

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.