قصص وحكايات

رواية بين أيدي القدر | الجزء الرابع والأخير

حين يعود الغائب وتزهر الأرض من جديد، تنقلب صفحات القدر الأخيرة إلى حكايةٍ عن الغفران والحب والعمل، لتختتم رواية “بين أيدي القدر” بأجمل نهايةٍ يمكن أن تكتبها الحياة.

رواية بين أيدي القدر | الجزء الرابع والأخير

الفصل الأول

ما زلتُ أذكر ذلك الغروب الذي وعدني فيه سامر باللقاء عند شجرة الزيتون…
يومها لم يكن الهواء عاديًّا، ولا الموج مطمئنًا، ولا قلبي مستقرًّا.
خرجتُ من البيت بخطواتٍ مترددة، ومريم تمسك بطرف ثوبي كأنها تخشى أن أفلت من بين يديها.
رعد يمشي بجانبنا، يهز ذيله ويدور حولنا بفرحٍ غامض، كأنه يشعر أن شيئًا ما سيتبدّل تلك الليلة.

وحين وصلت إلى الشجرة، كان سامر هناك… يقف ووجهه مزيجٌ من الحنين والندم.
ابتسم بخجلٍ حين رآني، وقال بصوتٍ خافت:

– ما كنت أتوقع إنك تجين.
– الوعد وعد، والقلوب الصادقة ما تعرف الهروب، قلت له وأنا أتأمله.
جلسنا على حجرٍ قديمٍ عند الجذع، والبحر يلوّح بأطياف غروبه من بعيد.
مدّ سامر يده بورقةٍ صغيرة وقال:
– هاي وصية والدك… ووصية أبي. الورقتان كان لازم يجتمعن من زمان، بس الخوف غيّر كل شيء.

فتحت الورقة، وقرأتُ بخط والدي كلماتٍ كُتبت قبل وفاته بسنوات:

“يا ابنتي، إن الأرض التي على شاطئ البحر حقّك، فقد اتفقنا أنا ويوسف على أن تُزرع باسمكما، رمزًا للوعد بين عائلتينا.
لا تتركيها تضيع، ففيها بركة الماء والحياة.”

رفعت نظري إليه والدموع تملأ عيني:

– يعني كل الخلافات كانت وهم؟
– أبي ظنّ أن أباك تخلّى عنه، وأبوك ظنّ أنه خُدع. وكلٌّ منهما مات وفي قلبه ظنٌّ بالآخر.

سكتنا طويلاً، والريح تمرّ بين أغصان الزيتون كأنها تهمس:

“أخيرًا التقت الحكاية بآخر سطورها.”


الفصل الثاني

بعد أيامٍ قليلة، خرجتُ إلى المدينة للمرة الأولى منذ سنواتٍ طويلة، أحمل معي أوراق الأرض والوصية، ومريم بجانبي كفراشةٍ صغيرة تتعلق بذراعي.
كانت المدينة صاخبة، مليئة بالألوان والوجوه الغريبة، وأصوات الباعة تمتزج بصوت النهر الذي يشقها نصفين.
استأجرنا بيتًا صغيرًا قرب السوق، وبدأنا من جديد.

عملتُ في بيع السمك والخضار على جسرٍ حجريٍّ قديم، وأصبحنا نعرف الناس واحدًا واحدًا.
كانت أم نادر، الجارة الجديدة، امرأة طيبة تشبه أم جابر في القرية، تأتي كل صباح لتساعدني في ترتيب السلال.

– يا أم مريم، ريحة سمكِك بتملأ السوق طراوة!
– الله يبارك، البحر جاد علينا اليوم.
– والرزق على قد النية، ترد ضاحكة وهي تنثر الماء على البضاعة.

مريم كبرت فجأة، لم تعد تلك الصغيرة التي تخاف من كسر إناء الحليب،
بل أصبحت تساعدني بذكاءٍ ومرح، وتنادي الزبائن بصوتٍ يملأ الشارع دفئًا:

– سمك اليوم طازج، للي يحب البحر وصيده!
كان الناس يحبونها، حتى الصبية الذين يعملون في الميناء صاروا يتنافسون على مساعدتنا في نقل السلال.

وذات صباح، جاء سامر يحمل أخبارًا سارة:

– تم تسجيل الأرض باسمك يا أم مريم، وصار عندك نصيب في الشاطئ.
– الحمد لله، قلتها والدموع في عيني.
– بس ما راح تزرعينها لوحدك… إحنا راح نزرعها سوا، إلكِ ولأهل القرية.
ضحكت مريم وقالت وهي تتعلق بذراعيه:
– يعني نرجع للقرية؟
– نرجع، بس مو لنبدأ من الصفر، نرجع نكمل من حيث توقفوا آباؤنا.


الفصل الثالث

مرّت شهورٌ كأنها الحلم.
تحوّلت الطاحونة القديمة إلى معصرة زيتٍ صغيرة، ورجعنا إليها ومعنا أهل القرية كلهم، كلٌّ يحمل حلمه الصغير بين يديه.
كانت الأرض التي ورثناها عن آبائنا تمتدّ حتى البحر، زرعنا فيها الزيتون والريحان، وبنينا عند أطرافها بيتًا جديدًا يشبه أحلامنا البسيطة.

في صباحٍ من الأيام، أقامت القرية مهرجانًا صغيرًا بمناسبة موسم الزيت الجديد،
وزُيّنت الطاحونة بالأشرطة، واجتمع الناس يغنون حولها.
كانت مريم ترتدي فستانًا أبيض مزركشًا، وسامر يقف إلى جواري يوزع الزيت على الجيران.

– سبحان الله، يا أم مريم، من كان يصدق إن الطاحونة ترجع تشتغل! قالت أم جابر وهي تصفق بفرح.
– الرزق ما يضيع يا أم جابر، قلت وأنا أملأ المصباح بزيتٍ جديد.

اقترب مني سامر وهمس بخجلٍ:

– في شيء نفسي أقوله من زمان…
– قول يا سامر، ما عاد في أسرار بينا.
– كنت دايمًا أشوف فيك القوة اللي ضيّعتها أمي، والطيبة اللي غابت عن أبي، يمكن… يمكن قلبي اختارك من زمان.
ضحكتُ وأنا أخفض نظري خجلًا، وقلت:
– خلينا نزرع الأرض قبل ما نحصد الكلام.
ابتسم وقال:
– على راحتك، بس وعديني… لا تتركي الشاطئ بعد اليوم.
– ما دام في قلبي مريم والبحر، ما راح أتركه.


الفصل الرابع

كبرت الأيام كما يكبر الأطفال،
وصار بيتنا عند حافة البحر قبلةً لأهل القرية،
يأتون إلينا ليشتروا الزيت والسمك، أو ليجلسوا عند باب الطاحونة يستمعوا لحكايات المساء.
كانت مريم قد صارت صبيةً يافعة، تساعد الفتيات في تعليم القراءة، وتعلّم الأطفال الرسم بلون البحر والطين.
وسامر… بقي كما عرفته، رجلًا يحمل الطيبة في يده، والصدق في عينيه.

في صباحٍ دافئٍ من ربيع القرية، وقفتُ على الجسر الذي يربط السوق بالنهر،
أنظر إلى الناس من حولي وهم يضحكون ويشترون،
وأحسست أنني أخيرًا وصلت إلى تلك اللحظة التي لا يخاف فيها القلب من الغد.
مرّت بجانبي أم جابر تحمل قفف الخبز وقالت مازحة:

– يا أم مريم، شكلك نسيتي تعب السنين!
– ما نسيت يا أختي، بس التعب لما يصير له معنى، يتحوّل لراحة.

ثم التفتُّ إلى مريم، التي كانت تساعد فتى صغيرًا في ملء السلال، نفس المشهد الذي كنت فيه قبل سنواتٍ طويلة،
وتذكرتُ الطفلة التي أراقت الحليب يومًا…
الآن تمسك بيدي وتوزّع الخير.

رفعت بصري إلى السماء، وقلت بصوتٍ خافتٍ سمعه البحر والريح معًا:

“يا أبي… يا يوسف… زرعنا الأرض، وغفرنا الماضي، والبحر رجع يعطينا موجه بسلام.”

ابتسم سامر وهو يقترب مني، وقال:

– انتهت الحكاية يا أم مريم.
– لا يا سامر… ما تنتهي الحكايات، هي بس تغيّر شكلها.

ضحكنا، ومضينا في الطريق نحو السوق، والشمس تشرق من جديد على وجوه الناس، تعلن أن القدر، مهما دار، لا يكتب النهاية إلا بيدٍ مليئةٍ بالحياة.

رواية بين أيدي القدر | الجزء الأول

رواية بين أيدي القدر | الجزء الثاني

رواية بين أيدي القدر | الجزء الثالث

تعليقات

ليست هناك تعليقات:

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.