في قلب الواحة، حيث يمتد الصمت بين الرمال، يبدأ لقاء غير متوقع بين سالم وجميلة، لقاء يغير حياتهما ويضعهما أمام تحديات الحب، الشجاعة، والمصير. اكتشفوا أولى خطوات هذه القصة الواقعية الساحرة في الجزء الأول من "الجمل والجمال".
في أقصى أطراف الواحة، حيث تمتد الرمال حتى تكاد تبتلع الأفق، كان “سالم” يعيش حياة هادئة تشبه صفاء الصحراء نفسها. شاب في نهاية العشرينات، ورث عن أبيه قطيعًا من الإبل، وورث معه طباع البدو؛ الصبر، العناد، والقدرة على قراءة الصحراء كما يقرأ غيره صفحات الكتب.
لم تكن حياة سالم سهلة، لكنها كانت صادقة وبسيطة. يستيقظ قبل الفجر، يملأ القِرب بالماء، يشعل النار ليُعد قهوته، ثم يخرج إلى الإبل التي كان يعتبرها أفرادًا من عائلته، يعرفها باسمائها، يعرف أصواتها، ويعرف أكثر من ذلك… يعرف ما تشعر به.
وكان بين القطيع جمل مميز، ضخم البنية، واسع العينين، له سنام ثابت لا يتغيّر مهما اشتد الحر، اسمه “مهباج”. كان مهاباج مختلفًا؛ ليس لأنه الأقوى، بل لأنه كان أكثر جمل رأى الألم في حياته. ماتت أمه وهو صغير، وربّاه سالم بيده، فارتبط به ارتباطًا خاصًا، يقترب منه حين يراه حزينًا، وينفجر صهيله إذا شعر بخطر حوله.
وكان هذا الجمل هو بداية الحكاية… وبدايته كانت مع فتاة اسمها “جميلة”.
كانت جميلة ابنة أحد كبار أهل الواحة، رجل صارم اسمه “راشد”. اشتهر راشد بالانضباط والأمانة، وكان يُدير تجارة كبيرة تعتمد على نقل التمور والجلود عبر الإبل إلى القرى المجاورة. أما جميلـة فكانت عكس ذلك تمامًا؛ هادئة، محبة للقراءة، تهرب من صخب القبيلة إلى ظل إحدى النخيل، حيث تجلس وتراقب السماء كأنها تبحث عن شيء لا يعرفه أحد.
لم تكن جميلة تعرف سالم إلا من بعيد، تراه أحيانًا يقود إبله عبر الطريق الترابي المارّ من خلف دارهم، كان يمرّ دائمًا في نفس الوقت تقريبًا، مع وخزة شمس الضحى، بملابسه البدوية النظيفة، وكوفيته البيضاء التي يلفها بعناية. وكانت تشعر بشيء يتحرك داخلها كلما رأته؛ مزيج من الفضول والاحترام، لم تسمح لنفسها يومًا بتفسيره.
لكن اللقاء الأول الذي غيّر كل شيء لم يكن مخططًا له.
كان سالم في ذلك الصباح يسير بجواره “مهباج” محملًا بالتمر الذي سيأخذه إلى السوق. وما إن اقترب من طريق بيت راشد حتى شعر بأن خطو مهباج غير منتظم. وقف سالم، لمس عنقه، وفهم من نظرة الجمل أن شيئًا ما لم يعجبه في الطريق.
لم يمرّ إلا ثوانٍ حتى سمع صوت أنثوي خافت يقول:
ـ “توقّف… دعه لا يتقدم.”
التفت سالم، فرأى جميلة لأول مرة عن قرب. كانت واقفة خلف نخلة، تبدو قلقة، وكأنها تحاول أن تمنع مصيبة قبل وقوعها.
اقترب منها سالم خطوة وقال:
ـ “خير؟”
أشارت جميلة إلى الأرض، وقالت:
ـ “هناك أفعى… رأيتها قبل دقائق تزحف إلى الظل هناك.”
خفض سالم رأسه، فرأى أثرًا خفيفًا على التراب يدل على مرور الأفعى، وتأكد أن مهاباج شعر بها.
ابتسم، وقال لها بثقة:
ـ “أنتِ أنقذتِ الجمل… أنقذتِ رزقي كله.”
توترت جميلة قليلًا وقالت:
ـ “الإبل تشعر بما لا يشعر به البشر… لكنه لم يكن ليعرف مكانها وحده.”
رد سالم بلطف:
ـ “وأنا لم أكن سأراها… شكراً لك.”
كان هذا أول حوار بينهما، قصيرًا… لكنه هزّ قلبين لم يعرفا من قبل معنى الاضطراب الجميل الذي يولده اللقاء الأول.
بعد أيام، بدأت الصدفة تكرر نفسها. تمرّ جميلة إلى بئر الماء فتجده هناك. تخرج مع أختها لجمع الرطب فتراه بعيدًا يمرّ مع إبله. وفي كل مرة، كان قلبها يرتجف كأن أحدًا يدق عليه من الداخل.
أما سالم، فكان يخفي إعجابًا يكبر كل يوم. رأى فيها ما لم يره في غيرها: حياءً يلفّه ذكاء، وقوة هادئة تُشبه اتساع السماء فوق واحتهم.
لكن بينهما حاجز كبير… والدها “راشد”.
لم يكن راشد يسمح لابنته بالتحدث مع الغرباء، ولا يتسامح مع فكرة أن تتعلق بابن من أبناء البدو الفقراء مهما كانت أخلاقه.
في إحدى الليالي، حدث شيء غيّر مجرى الرواية بأكملها.
كان سالم عائدًا من السوق ومعه مهاباج. كانت الرياح قوية في ذلك المساء، محمّلة برائحة المطر النادر. وبينما هو يسير على مقربة من بيت راشد، سمع صرخة عالية… صرخة لن ينساها ما دام حيًا.
كانت جميلة.
ركض باتجاه الصوت، فرأى باب الحظيرة الخلفية مفتوحًا، ورأى جديًا صغيرًا يحاول الفرار، ورأى فوقه ظلاً أسود طويلًا.
أفعى ضخمة.
لم يفكر سالم كثيرًا، قفز نحو الجدي، دفعه بعيدًا، وأمسك بعمود خشبي وضرب به الأفعى بقوة حتى توقف جسدها عن الحركة. كان الأمر سريعًا وخطيرًا، لكنه نجح.
كانت جميلة خلفه ترتجف، وعيناها ممتلئتان بالدموع. قالت بصوت مهزوز:
ـ “كنت ستتعرض للأذى… لماذا اقتربت؟!”
أجاب سالم:
ـ “لأن حياة الإنسان أغلى من حياتي وحياة الإبل كلها… ولأن صراخك لم يسمح لي بالانتظار.”
شعرت جميلة حينها أن شيئًا سقط داخل قلبها… حاجز قديم، خوف قديم، أو ربما صفقة غير معلنة بينها وبين والدها بأن قلبها لن يُمسّ.
لكن سالم لمس قلبها دون أن تدري.
ومن تلك الليلة، بدأت علاقة صامتة تولد بينهما. لم تكن علاقة حديث أو لقاءات، بل علاقة نظرات تمرّ كالنسيم، إشارات تخفي أكثر مما تُظهر، واحترام يزداد كلما مرّ الوقت.
لكن هذا الهدوء لم يدم.
ففي صباح أحد الأيام، جاء رجل إلى دار راشد يطلب يد جميلة. رجل ثري، صاحب تجارة كبيرة في الواحة المجاورة، اسمه “عواد”. لم يكن سيئًا، لكنه لم يكن الشخص الذي تريده جميلة مهما حاولت إقناع نفسها.
وحين سمعت الخبر، شعرت كأن الرمل ينهار تحت قدميها.
وفي تلك الليلة، لم تستطع النوم. خرجت إلى فناء الدار، جلست قرب النخلة التي شهدت أول لقاء بينها وبين سالم. وضعت يدها على جذعها، كأنها تبحث عن أثر من أثره، عن لحظة تعيد لها هدوءها.
وفي تلك اللحظة سمعت صوت أقدام إبل تقترب. كان سالم يمرّ بجانب الدار عائدًا من الصحراء. كان التعب ظاهرًا عليه، لكن مهاباج توقف فجأة، نظر نحو النخلة، كأنه يشعر بوجود جميلة.
التفت سالم، ورآها.
وقفت جميلة بسرعة، لكن عينيها خانتاها، فقد أظهرتا حزنًا لم تستطع إخفاءه.
قال سالم بصوت منخفض:
ـ “أنتِ بخير؟”
هزّت رأسها، وقالت بصعوبة:
ـ “أبي… وافق على زواجي.”
تجمّد سالم في مكانه. شعر لوهلة بأن الهواء اختفى، وكأن الصحراء كلها انكمشت فوق صدره.
لم يردّ.
لم يعرف ماذا يقول.
قالت جميلة بصوت متقطع:
ـ “أردت فقط… أن تعرف.”
ثم عادت إلى الداخل قبل أن تنكسر أمامه أكثر.
وبقي سالم واقفًا وحده، بجانب مهاباج، يحدّق في الباب الذي أغلق خلفها… ويشعر أن حياته كلها انقسمت إلى نصفين.
في الأيام التالية، تغيّر كل شيء.
سالم أصبح صامتًا، يعمل أكثر مما يتحدث. يتعمد الابتعاد عن طريق بيت راشد، وكأنه يخشى أن يرى ما يوجعه. أما مهاباج، فكان يبدو قلقًا، يتوقف كلما اقترب من الطريق القديم، كأنه يبحث عن شيء ضاع.
أما جميلة، فكانت تعيش صراعًا قاسيًا. والدها مصرّ، والخطبة اقترب موعدها، وعواد يرسل الهدايا، والنساء في الدار يتحدثن عن جهاز العروس، بينما قلبها يرفض كل ذلك.
وكل ليلة، كانت تسأل نفسها:
“هل يمكن لقلب أن يتمسك بشخص لم يعترف له بكلمة واحدة؟”
لكن الإجابة كانت واضحة… ومؤلمة.
وفي ليلة ماطرة نادرة، حدث ما لم يكن بالحسبان.
طرق باب راشد بعنف. فتح الخادم، فوجد رجلًا من رجال السوق يلهث، وقال:
ـ “يا عم راشد… في مشكلة كبيرة! سالم… جُرح في طريق الوادي! والجمل الذي معه عاد وحده وهو مصاب!”
تسمرت جميلة في مكانها.
سقطت الكأس من يدها وانكسرت.
وقفت، ثم ركضت دون وعي إلى الخارج، رغم صراخ والدها.
كانت السماء تمطر، والرعد يهز الأرض… لكنها لم تشعر بشيء سوى الخوف.
ركضت نحو الطريق الذي يقود للصحراء، ورأت في الظلام ظلاً يقترب…
كان مهاباج.
كان الجمل مصابًا بجرح عميق في ساقه، يمشي بصعوبة، وصوته يحمل ألمًا واضحًا.
اقتربت منه جميلة ولم تستطع منع دموعها. وضعت يدها على رقبته، وقالت:
ـ “أين سالم؟! ماذا حدث؟!”
الجمل نظر إليها بعينين ممتلئتين بالخوف، ثم أدار رأسه نحو الظلام، وكأنه يقول: “اتبعيني.”
وتبدأ رحلة البحث…
ويبدأ الجزء الثاني.

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.