من بعد الصرخة اللي هزت العمارة، الدنيا كلها اتقلبت. الجدران اتشقت، والزجاج وقع، وصوت الأطفال الملعونين كان بيغطي على أي صوت تاني. كريم والشيخ سامي كانوا واقفين في نص الغرفة اللي تحت، قدام الصندوق اللي فيه العظام، والطفلة ومعاها الأرواح واقفين صف واحد بيبصوا عليهم بعيون سودة، مبتسمين كأنهم مستمتعين.
لكن المفاجأة الأكبر كانت ظهور الأب. كان واقف معاهم، جسمه باين لكن وشه اتغير، عينه سودة، وصوته مش طبيعي. لما بص لكريم قاله:
– أنا كنت مستني اللحظة دي… اللحظة اللي هنتحرر فيها كلنا.
كريم وقف مذهول:
– إنت أبوها؟! إزاي رجعت؟!
– أنا عمري ما مشيت… لما اختفت بنتي، أنا تبعتها من غير ما أحس. دلوقتي بقيت جزء منهم… واللعنة بقت في دمي.
الطفلة ضحكت ضحكة طويلة، وقالت:
– اللعبة قربت تخلص.
الشيخ سامي رفع المصحف، وبدأ يقرأ بصوت أقوى، الأصوات حواليه بدأت تتلخبط، الأطفال اتراجعوا خطوة ورا، لكن الأب والطفلة فضلوا ثابتين. فجأة، الطيارة الورق اللي على الأرض ارتفعت في الهوا من غير ما حد يلمسها، واتجهت بسرعة ناحية الشيخ، لفت حوالين إيده كأنها سلسلة، وأسقطت المصحف من إيده.
الشيخ صرخ:
– دي مش أرواح عادية! دول مربوطين بحاجة أعمق… لازم العظام تتحرق!
كريم جري بسرعة على الصندوق اللي فيه العظام، لكن الطفلة ظهرت قدامه فجأة، عينيها قريبة من وشه، وقالت له:
– لو حرقتهم… هتحرق روح أبويا كمان.
كريم اتجمد، عقله اتلخبط، هو مش عارف يعمل إيه. بس الشيخ صرخ فيه:
– متسمعش كلامها! دي مش بنت آدم خلاص، دي لعنة. لو العظام فضلت هنا، العمارة والناس كلها هيموتوا.
الطفلة بدأت تصرخ صرخة عالية جدًا، الجدران كلها اتشقّت، وأصوات الأطفال رجعت أقوى. كريم مسك الصندوق بالعافية، وحاول يفتحه أكتر. جوه العظام لقى حاجة غريبة: لعبة محروقة، كانت طيارة ورق صغيرة معمولة من خشب.
هنا فهم كل حاجة. اللعبة دي هي اللي كانت الرابط، هي اللي بتحافظ على الأرواح مربوطة بالمكان.
الأب زعق بصوت مش بشري:
– متلمسهاش! دي روحهم! دي كل اللي باقي منهم!
لكن كريم مسك الطيارة، ولع ولاعة صغيرة كانت معاه، وحطها عليها. النور في الغرفة كلها اتغير، الأصوات اتحولت من ضحك لصراخ هستيري، الأطفال بدأوا يختفوا واحد ورا التاني كدخان بيتبخر.
الطفلة قربت من كريم، عينيها اتحولت من السواد للنور، وقالت له بصوت طفولي حقيقي:
– شكراً… كنت مستنية اللحظة دي من سنين.
وبعدين اختفت هي كمان.
الأب وقع على الأرض، صرخ صرخة مدوية، جسمه بدأ يتبخر زي باقي الأرواح، لكن قبل ما يختفي، بص لكريم وقال له:
– انت حررتهم… بس أنا هافضل هنا… أنا اخترت أكون معاهم.
وفي لحظة، ما بقاش ليه أثر.
الغرفة كلها سكتت. النور رجع للعمارة، الشبابيك هديت، والطيارات الورق وقعت على الأرض زي ورق ميت. الشيخ سامي وقع على ركبته من التعب، وكريم كان واقف متجمد وهو مش مصدق اللي حصل.
طلعوا فوق من البدروم، لقوا السكان اللي كانوا مرعوبين مستنيين. كلهم كانوا شايفين اللي حصل من الشبابيك: الأصوات سكتت لأول مرة من سنين.
العجوز اللي كانت عايشة أيام الملجأ قربت من كريم وقالت له:
– إنت أنقذت العمارة… أنقذت أرواحهم.
لكن كريم كان حاسس بحاجة تانية… وهو طالع من البدروم، حس إنه في عينين لسه بتراقبه من العتمة.
مرت أيام، والعمارة رجعت هادية. الناس بدأت ترجع لحياتها، الأصوات اختفت، وحتى المنور بقى صامت. لكن في يوم من الأيام، كريم وهو قاعد في شقته، سمع خبط خفيف على شباكه. قلبه وقف مكانه. فتح الشباك بحذر، ملقاش حد. لكن لقى على الزجاج ملزوقة ورقة صغيرة.
فتحها بسرعة، ولما قرأها عينيه اتسعت من الرعب.
كانت مكتوب فيها بخط طفولي:
– "اللعبة لسه مخلصتش".
أكتب تم لتكملة
قصة بنت المنور التي أرعبت السوشيال ميديا الجزء الاول
الكاتب | عبد الحفيظ ابراهيم

تعليقات
ليست هناك تعليقات:
تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.