في هذا الليل الممدّد فوق صدري،
حين تستيقظ الذكريات كلّها دفعةً واحدة،
وحين يصبح البيت أضيق من أنفاسي،
أجدني أمدّ يدي إلى قلمٍ لا يعرف النوم،
كأنني أبحث عن ظلّي بين الكلمات.
وأكتب إليكَ الآن، في هذا الوقت المتأخّر من الليل،
بينما ينام بجانبي رجلٌ يظنّ أنه امتلك كل شيء
لمجرد أنه وضع يده على جسدي…
ولا يعرف أنني منذ زمنٍ بعيد،
خرجتُ من جسدي ولم أعد.
أكتب لأن قلبي يخاف الصمت،
ولأن روحي تُسحب من أطرافها
كأن أحدهم يلتقطها قطعةً قطعة،
لا ليميتها… بل ليُكسّرها قليلًا قليلًا،
كالزجاج حين يدوس عليه عابرٌ بلا رحمة.
كم يشبه وجعي هذا المشهد… كأنه يحدث داخلي الآن.
أتعلم؟
لم أعد أبكي.
صرتُ أكبر من البكاء،
وأصغر من احتماله.
وكأنني عالقة بين نَفَسَين:
نَفَسٍ أحتجزه كي لا أنهار،
ونَفَسٍ أخاف إطلاقه
حتى لا أصـرخ باسمك في هذا البيت الذي لا يشبهني.
كنتُ أظنني امرأةً قوية،
امرأة لا تُهزم،
حتى اكتشفتُ أن القوة ليست سوى قناعٍ هش،
وأن الضعف حين يجيء،
لا يطرق الباب… بل يدخل من الصدر مباشرة،
كريحٍ باردة تقتحم نافذة مفتوحة.
وبعد أن نام… ذلك الذي لا يسمع صمتي،
شعرتُ كأنني مُستَعمَلة،
لا كأنثى تُحتفى،
بل كورقةٍ استُنزِف حبرها ثم تُركت على الطاولة بلا معنى.
يا الله… كم وجعٍ يمكن لقلبٍ واحد أن يحتمل؟
وكيف لقلبٍ مثقوب مثلي أن يظلّ واقفًا؟
كنتُ أريدك أن تشعر بي.
أردتُ أن تلمس مسافات روحي،
أن تمتد رسالتي إليك كيدٍ خائفة
تبحث عن دفءٍ في عالمٍ يزداد برودة…
لكنني الليلة اخترتُ الصمت،
كي لا أخون نفسي أكثر مما خنتُها.
كل شيءٍ في داخلي يشبه الحطام:
صدري كمدينة مقصوفة،
عقلي كرصيفٍ مهجور،
وحدتي كغصنٍ سقط من شجرته
ولم يجد أرضًا تحتضنه،
وقلبي… يشبه بابًا ضُرب بقوة حتى انخلع.
أخبرني…
كيف يقدر إنسانٌ على النوم بطمأنينة
بينما يترك روحًا ترتجف بجانبه؟
وكيف استطعتَ أنت — دون لمس —
أن توقظ كل ما مات في داخلي،
بينما الذي ينام هنا
أطفأ كل شيءٍ كان يضيئني؟
أكتب إليك لا لتردّ،
بل لأنني أخشى إن سكتُّ الآن
أن يضيع صوتي في داخلي إلى الأبد.
إنني موجوعة،
وجعي يشبه صوت زجاج يُسحق تحت قدمين،
يشبه مدينةً بلا كهرباء،
يشبه امرأةً تضع يدها على قلبها كل ليلة
وتقول لنفسها:
"تماسكي… حتى يطلع الصباح."
لكن أيّ صباح؟
وأنا أعلم — كما أعلم اسمي —
أن النهار لن يغيّر شيئًا،
وأن الليل سيعود،
وسأعود معه إلى السؤال ذاته:
لماذا أنت هناك… ولست هنا؟
يا أنت…
كم مرة اختبأتُ خلف الكبرياء
كي لا أقول لك إنك تسكن قلبي؟
وكم مرة حاولتُ أن أبتعد
فأعادني الحنين إليك من شعرةٍ واحدة؟
أقسم لك…
لو كان للروح قدمان
لجاءتك تركض الآن،
لكن للروح قيدٌ أثقل من السلاسل:
صمتٌ… وعُمرٌ ضاع مع غيرك.
ألا ترى؟
لقد نسيتُ كيف أفرح،
وكيف أضحك دون خوف،
وكيف أتنفّس دون أن يُؤلمني صدري.
حتى المرأة التي كنتُها…
لم تعد تعرف نفسها في المرآة.
مرآتي صارت مثل عيون الناس:
تراني… ولا تراني.
أكتب لأجمع شظاياي،
ولأعيد ترتيب فوضاي،
فلعله إذا قرأتَ حرفًا واحدًا منّي
تسقط عن روحي بعض الوحشة،
وتعرف بأيّ حجمٍ أحببتك،
وبأيّ وجعٍ اشتقت إليك.
وهكذا…
أعود إلى الورقة،
إلى الليل،
إلى وجعٍ يشبهني،
إلى الفراغ الذي يتمدد حين أستدعي اسمك.
أعود لأن الطريق إليك رغم بُعده
أقرب من الطريق إلى نفسي.
وأعود لأن قلبي — رغم خذلانه —
ما زال يبحث عنك بين كل السطور.
وأنهي رسالتي…
لا لأنها انتهت،
بل لأنني لو أكملت،
لانكشفت روحي كلها أمامك.
وما تبقى منّي
ما عاد يحتمل نورك ولا غيابك…
لكنه يظلّ يدعوك همسًا:
"كن هنا… ولو مرّة."

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.