في هذا النص الشعري تنكشف ملامح امرأة تحمل قلبًا نقيًا أثقلته الخيبات، فتقف بين الشوق للعطاء والخشية من التكرار. رحلة داخلية تبحث فيها عن دفء يُشبهها ولا يكسرها.
هي ليست باردة كما يظن العابرون حين يمرّون بقرب الروح،
بل متحفّظة تُجيد إخفاء نارٍ تحت رمادٍ طال احتراقه المؤلم،
تحمل قلبًا نابضًا بالحياة رغم التعب الذي سكن أوردته طويلاً،
وتخبّئ وجعها خلف عيونٍ تعلّمت الصبر من كثرة الانكسارات العميقة،
فما تراه صمتًا ليس إلا حوارًا داخليًا يذوب بين نقيضين مرهقين.
حوارٌ بين رغبةٍ في الاقتراب تشدّها للدفء بلا شروطٍ مُتعبة،
وخوفٍ من الانكسار يعيدها إلى الخلف كأن الخطوة نارٌ حارقة،
تعرف أنّ العطاء يرهقها حين تهديه قلبًا لا يقابله سوى الرحيل،
وتدرك أنّ الطيبة بابٌ واسعٌ يدخل منه من لا يعرف قيمتها يومًا،
ولذلك تحمل قلبها بحذرٍ يشبه خوف أمٍّ على طفلٍ لا يجيد النجاة.
هي ليست متقلّبة كما يتّهمها من يجهل رحلة الدمعة الصامتة،
بل حذرةٌ من التكرار، من فتح بابٍ سبق أن دخل منه الألم،
تعلم أنّ العالم لا يمنح النقاء إلا ليختبر قوته ثم يخذله،
وتعرف أنّ الصادقين قلّة وأن قلوبهم تُرهق من سوء الفهم،
فتختار ذاتها أولًا لأنها أدركت أن الروح لا تُرمّم مرتين.
كبرت بما يكفي لتعرف أن العطاء المفرط نزيف لا يراه أحد،
وأن الأشياء الجميلة تُكسر حين تُعطى لمن لا يستحقها يومًا،
وأن الحبّ الذي يأتي صدفةً يرحل غالبًا كأنه لم يكن أبدًا،
لذا صارت تقيس المسافات، وتزن الكلمات، وتفهم الوجوه بصمت،
وتقرأ النيّات كما يقرأ العارف كتابًا يعرف فصوله جيدًا.
كانت تمنح قلبها كما تُمنح وردةٌ في صباحٍ يشتهيه المارّة،
وتغفر الأخطاء قبل أن تُطلب المغفرة لأنها ترى الجمال أولًا،
لكنها تعلّمت أن العطاء بلا وعيٍ يفتح أبواب الخذلان كثيرًا،
وأن الأيدي التي تُصافح بلا نية صدقٍ تترك أثرًا يشبه السكين،
فأغلقت أبوابها إلا على من يعرف الطريق دون أن يجرحها.
تقول في سرّها إن الصمت درعٌ يحميها من سقوطٍ جديد،
وإن الحذر ليس ضعفًا بل حكمة امرأة عرفت نهايات الطرق،
وإن حبّ الذات ليس أنانية بل ضرورة لنجاة الروح من التكسير،
فهي لا تريد أن تعود إلى بدايات الألم التي أنهكتها طويلًا،
ولا أن تهدي نورها لمن يطفئه بيديه دون سببٍ أو حتى إدراك.
تحمل قلبًا يشبه لؤلؤة حُميت في صدفة خوفًا من الطامعين،
وتمنح ابتسامتها مختصرة لمن يستحق أن يرى ضوءها النقي،
وتسير بخطواتٍ واثقة كأنها تبني جسرًا من صبرٍ فوق الهاوية،
لا تكلّم الجميع، لكنها تُصغي لمن يعرف أن الإصغاء نعمة،
ولا تمنح روحها إلا لمن يشعر أن القرب منها هديةٌ نادرة.
تعرف أن الحبّ قوة لكنه سيفٌ حين يُستخدم بغير حق،
وأن العلاقات الجميلة تُبنى على الصراحة لا على التوقعات،
وأن بقاء الأشخاص ليس دليل حبّ بل دليل وعيٍ ونقاء نية،
فلذلك تعود إلى ذاتها كلما شعرت أن الطريق لا يشبه قلبها،
وتعيد ترتيب خطواتها كأنها تكتب فصلاً جديدًا بلا أخطاء.
هي امرأة أدركت أن الحياة لا تُنصف القلوب البريئة كثيرًا،
لكنها رغم ذلك ما زالت تؤمن بالحبّ الذي يحترم ضعفها،
وتؤمن باليد التي تُمسك بها دون أن تطلب منها التخلي،
وتؤمن بالعين التي تراها كما هي دون أقنعة أو أحكام،
فهي لم تطفئ نورها لكنها تعلّمت أن تُقلّل من إشعاعه.
تعرف أنّ قلبها أثمن من أن يُهدى لمن لا يعرف قيمته،
وأن الروح التي نزفت كثيرًا تستحق أن تُعامل بقداسة،
وأن النقاء حين يُحاصر بالأذى يصبح سلاحًا يحمي صاحبه،
فهي الآن تختار نفسها بامتنان لأنها تعلم أن بدايتها منها،
وأن نهايتها قرارٌ تضعه بيدها لا بيد أحدٍ لا يقدّر وجودها.
وفي كل ليلة، تستلقي وتكتب على جدار الصمت وصية روحها،
أن لا تسمح لأحدٍ أن يعيدها إلى مواسم الانكسار القديمة،
وأن تبقى أمينةً لنورها مهما حاول العالم إطفاءه ظلمًا،
وأن تحفظ نفسها من العطاء المرهق الذي يجرح ولا يبني،
وتستيقظ في الصباح وهي تعرف أنها تستحق ما هو أرقى.
ولأنها نضجت بما يكفي، لم تعد تبحث عن مكانٍ تُقبل فيه،
بل تبحث عن قلبٍ يشبهها، يعرف قيمتها دون أن تشرح شيئًا،
ويدرك أن الصمت الذي تُتقنه ليس بُعدًا بل خوفٌ من الظلم،
وأن القرب منها عهدٌ لا يُعطى إلا لمن يفهم أثره الكبير،
فهي لا تريد الكثير… فقط صدقًا لا ينكسر ولا يخون.
هكذا تسير في طريق الحياة متوازنة بين خوفٍ ورغبة،
تحمل قلبًا شفافًا لكنه قوي، رقيقًا لكنه ثابت،
وتؤمن أن الأيام ستمنحها من يُشبه هذا القلب النادر،
وأن الطريق الطويل سيقودها يومًا إلى دفءٍ لا يرحل،
فهي تستحق حبًا لا يكسر ولا يخذل ولا يذوب أدراج الرياح.

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.