بين الخيانة والخوف، وبين الغموض والحقائق المكتشفة، يكشف الجزء الرابع من رواية "الجمل والجمال" أسرارًا تهز القرية كلها، حيث يختبر عمار وديع حدود الصبر والشجاعة في مواجهة من يريد إشعال الفتنة.
كانت الشمس تميل نحو المغيب فوق كثبان القرية حين عاد عمار من رحلته الطويلة. خطواته مثقلة، روحه مُنهكة، وعيناه تحملان من التعب ما يكفي لكتابة كتاب كامل من الانكسار. لم يكن أحد ينتظره عند بوابة الدار، فالأيام الأخيرة بعثرت كل شيء في حياته، حتى العلاقات التي ظنّها ثابتة بدأت تتشقّق كالأرض اليابسة.
دخل بخطوات هادئة، ووضع عصاه إلى جانب الجدار، وتنهد طويلاً قبل أن يجلس. لم يكد يلتقط أنفاسه حتى شعر بظلّ يقف قرب الباب… كانت مريم.
نظرت إليه بقلقٍ شديد، وكأنّ قلبها طوال الطريق كان يسابقه في الخوف عليه، وقالت بصوتٍ مائل للرجفان:
— عمار… الحمد لله على سلامتك. سمعت إنك وصلت للتو.
رفع رأسه نحوها ببطء، وبدا أن شيئًا في وجهه قد تغيّر. ليس غضباً، ولا حزنًا فقط… بل شيء أقرب لمزيج بين الخيبة والوعي الجديد.
— مريم… الدنيا اتغيّرت قوي وإحنا ماشيين وراها.
— إنت عملت إيه؟ لقيت اللي كنت بتدور عليه؟
— لقيت… بس مش اللي كنت متوقعه.
جلست بجواره، كأنها تحاول أن تخترق الأسوار التي بدأت ترتفع بينهما دون قصد. كانت تعرف أن الأيام القادمة لن تكون سهلة، وأن الحقائق التي يحملها قد تكون أثقل من أن تُقال بسهولة.
— عمار، أنا قلبي مشغول… فهمني، إيه اللي حصل؟
مرر يده فوق جبينه، كمن يمسح آثار طريقٍ طويل:
— القبيلة اللي وصلتها… الناس اللي قالوا إن الجمل “وديع” عندهم… طلع عندهم بس شيء أبعد من اللي نعرفه. الجمل هناك كان متربي وسط الجِمال من يوم ما تولد… مش زي هنا. هناك بيتعاملوا معاه كأنه فرد من العيلة، وبيفهموا طبعه قبل ما يعنف.
— يعني المشكلة مش في وديع؟
هزّ رأسه:
— المشكلة فينا… في اللي حصل هنا. حد استفزه… حد لعب في مزاجه أو ضايقه. الجمل ما بيعضش ولا يرفس من فراغ. ولا يمكن يهاجم بدون سبب.
بقيت الكلمات معلّقة في الهواء. شعرت مريم بشيء داخلها يضيق… كأن القصة بدأت تأخذ منحنى مخيفاً.
— عمار… إنت شايف إن اللي حصله كان مدبّر؟
— أنا مش بشك… أنا متأكد.
سكت قليلاً ثم تابع:
— وبعدين… قابلت راجل كبير هناك. قال لي كلمة مش قادر أطلّعها من دماغي: “الجمل لما يشمّ الخوف… يبعد. لكن لما يشمّ الخيانة… يثور”.
ارتجفت نظرات مريم.
— خيانة؟! إنت تقصد إيه بالظبط؟
— أنا لسه مش متأكد. بس في حد قريب مننا… أقرب مما نتخيل… لعب في الموضوع.
عودة الهمسات…
بينما كان عمار يحاول أن يجمع خيوط الحقيقة، كانت القرية كلها تتداول أخبار الجمل، وكأن المأساة لم تكفهم. البعض يحمّل عمار المسؤولية، والبعض يلوم الجمل، والبعض الآخر يجدها فرصة للحديث فقط.
كان أكثر ما أثار القلق هو ظهور رجل غريب يزور الحارات ليلاً، يتبادل أحاديث قصيرة مع بعض الوجوه المعروفة بسوء النية. لم يعِره الناس اهتماماً، لكن الأطفال الذين يلعبون قرب الساحة شاهدوه أكثر من مرة.
ومع ذلك، لم يكن أحد يتوقع أن الأيام القادمة ستكشف ما هو أسوأ.
لقاء عمار مع الشيخ “صابر”
في صباح اليوم التالي، ذهب عمار إلى منزل الشيخ صابر، أكبر رجل في القرية، وأحد أكثرهم خبرة بتربية الجمال. كان يجلس أمام منزله، يحمل مسبحته، وينظر للبعيد وكأنه يقرأ ما وراء الأفق.
— صباح الخير يا شيخ صابر.
— أهلاً يا عمار… شكلك شايل جبل فوق كتافك.
جلس عمار وقال بصدق:
— أنا محتاج أفهم… هل ممكن حد يغيّر طباع الجمل؟
ابتسم الشيخ ابتسامة صغيرة، وقال بنبرة فيها حكمة السنين:
— يا ابني… الجمل زيه زي الإنسان. الطيب يفضل طيب… بس لو حد دايقك وفضل وراك… هتنفجر. الجمل أكتر حيوان بيشيل… بس لما يقرر يزعل؟ يبقى المسألة مش بسيطة.
— يعني حد لعب في دماغ وديع؟
— مش بس لعب… ده غالباً ضيّق عليه أوي. وأنا عندي شعور إن في حد في القرية كان عاوز الفتنة دي تحصل.
صمت الشيخ قليلاً… ثم قال بهدوء مخيف:
— وانت عارف مين… بس لسه مش قادر تواجه الحقيقة.
ارتجفت يد عمار دون أن ينتبه… كان للشيخ قدرة عجيبة على رؤية ما لا يُقال.
سرّ “مروان”
بعد مغادرة عمار لبيت الشيخ، وجد نفسه يقف أمام منزل مروان… الشخص الوحيد الذي كان دائم الغيرة منه، ودائم المنافسة، ودائم الانتظار لأي فرصة ليسقطه أرضًا.
كان الباب نصف مفتوح. طرقه عمار ودخل.
جلس مروان أمامه، يحاول أن يبدو طبيعيًا لكنه لم ينجح. عيونه كانت مضطربة كمن يخفي شيئًا.
— مروان، أنا محتاج أسألك سؤال وبصراحة.
— اتفضل.
— كنت قريب من وديع قبل ما تحصل المشكلة؟
تجهم وجهه للحظة:
— أقريب؟! إنت بتسأل ليه السؤال ده يا عمار؟
— عشان في حاجة غلط… واللي حصل لوديع مش طبيعي.
ضرب مروان بيده على الطاولة فجأة:
— كفاية بقى! أنت عايز تتهمني بشيء؟
نظر عمار في عينيه مباشرة… نظرة طويلة، صامتة، لكنها كانت كافية لتهزّ مروان من الداخل.
ثم قال عمار:
— أنا مش باتهم حد… أنا بدوّر على الحقيقة. ولو كنت أنت برئ… المفروض تساعدني.
ارتبك مروان للحظة… ثم قال بصوت منخفض:
— عمار… اسمعني كويس. في واحد كان بيجي عند الجمل قبل الحادث. أنا شوفته مرة… بس ما قلتش لحد.
— مين؟
— راجل غريب… لابس جلباب غامق. كان بيقرب من وديع آخر الليل. وأنا ساعتها افتكرت إنه راجل من القبيلة اللي بعتته، فمركزتش.
— ليه ما قلتش؟
أخفض رأسه:
— عشان كنت فاكرك هاتلومني… وأنا… كنت مش عايز مشاكل بينا تاني.
تنهد عمار… شعر أن بعض الخيوط بدأت تتضح، لكن ليس كلها.
اللغز يكبر…
في المساء، انتشرت شائعة جديدة:
الراجل الغريب اتشاف للمرة الرابعة… بس المرة دي كان قريب من مربط وديع.
هرع عمار إلى المكان، لكنه لم يجد سوى آثار أقدام غريبة، وكأن أحدهم كان يلاحق شيئًا ثم اختفى.
ما أثار قلقه أكثر أن أثار الأقدام كانت تقترب من وديع… ثم تعود مبتعدة بسرعة.
هل كان يراقبه؟
أم يحاول استفزازه مرة أخرى؟
أم كان يبحث عن شيء آخر؟
الجمل يبدأ يتغير…
في اليوم التالي، أثناء تفقد المربط، لاحظ عمار أن وديع لم يعد كما كان:
كان ينفخ الهواء بطريقة غاضبة…
يركل الأرض بحافر واحد…
وينظر للناس بريبة، وكأنه يحاول أن يخبرهم بشيء.
اقترب منه عمار ببطء:
— وديع… يا صاحبي… مالك؟
رفع الجمل رأسه، وتنفس بحدة… لكنه لم يهاجمه. بل كان وكأنه يحذره.
وهنا شعر عمار بشيء انقبض في قلبه:
وديع يشعر بالخطر… قبل البشر.
مريم والاعتراف المؤجل
في ذلك المساء، جاءت مريم لتقابل عمار مرة أخرى. كانت تبدو مرهقة، وكأنها تحمل سراً ثقيلاً لا تعرف كيف تبوح به.
— عمار… في حاجة لازم تعرفها.
— خير؟
ترددت مريم… لثوانٍ طويلة:
— يوم الحادث… أنا شفت حد كان واقف بعيد. ما كنتش عارفة أقول ولا أسكت. كنت خايفة… يمكن أكون غلطانة.
اقترب عمار منها:
— مين؟
— الرجل الغريب… بس مش هو بس.
— مين كمان؟
— كان في شخص من القرية واقف معاه… واحد ما كنتش أتوقعه أبدًا.
تسارعت دقات قلبه:
— مين يا مريم؟ قولي.
— سليم… أخو مروان.
ساد صمت ثقيل… كأن الهواء نفسه توقف.
سليم؟
الرجل الهادئ الذي لا يتدخل في شؤون أحد؟
كيف يكون له علاقة؟
لكن ما قالته مريم لم يكن قابلاً للتجاهل.
مواجهة الحقيقة
في الصباح، ذهب عمار إلى سليم مباشرة.
— لازم نتكلم.
كان سليم يجلس أمام بيته، وبدا عليه الارتباك حين رأى عمار يتقدم نحوه.
— خير يا عمار؟
— أنت شوفت الراجل الغريب قبل الحادث، صح؟ ومش مرة واحدة.
ارتبك سليم… حاول التهرب، ثم قال:
— أنا… مش كان قصدي يحصل اللي حصل. والله ما كنت أعرف النية كانت شر.
— إيه اللي حصل؟
اغرورقت عيناه:
— الراجل ده كان بيقولي إن الجمل محتاج يتربى، وإنه عنيف… وإنه لازم نرجعه لطبيعته. قال إنه “خبير بالجمال” وإنه هيعلّمني إزاي أتعامل معاه… وأنا صدقته. صدقته يا عمار!
اقترب عمار خطوة:
— عملتوا إيه؟
انهار سليم:
— كان بيستفزه… بيصرّخ وبيضرب عصاية على الأرض… وأنا كنت فاكر إن ده نوع من التدريب!… ما فهمتش غير لما شوفته بيستفزه جامد والدم في عينه!
شهق عمار:
— يعني أنت كنت موجود وقت ما وديع هاجم؟
— آه… بس والله ما كنت فاهم إن ده هيحصله حاجة. الراجل هرب لما وديع اتجنن… وسابني واقف زي الأهبل. وأنا… جبنت. ما قدرتش أقول الحقيقة!
جلس عمار على الأرض، رأسه بين يديه…
كل شيء اتضح الآن.
لم يكن وديع شرسًا…
كان مُعتدى عليه.
كان محاصرًا بالخوف والاستفزاز…
وبالخيانة.
القرار الصعب
وقف عمار فجأة:
— فين الراجل الغريب؟
— اختفى… لكن سمعته بيقول إنه راجع تاني. كان بيقول كلام غريب… كأنه عايز يعمل فتنة في القرية.
شعر عمار بحدسه يصرخ:
الخطر لم ينته.
ذهب مباشرة إلى الشيخ صابر وأخبره بكل شيء.
تنهد الشيخ وقال:
— عمار… الجمل كائن بيشيل… بس لما ينهار، بيحتاج اللي يفهمه. لازم نرجّع له ثقته فيك… وفي المكان.
— وإزاي؟
— بالصبر… وبالمواجهة. بس خلي بالك… اللي لعب في دماغ الجمل ممكن يكون ناوي يلعب في دماغ الناس كمان.
لحظة الانفجار
في الليل…
ارتفعت أصوات في القرية.
— الجمل بيهيج!
ركض الجميع نحو المربط.
كان وديع يقفز داخل الحظيرة، يضرب بقدميه، كأنه يطرد ظلاً لا يراه أحد.
والناس تهرع للخلف خوفًا.
لكن عمار لم يتراجع.
دخل وحده… دون عصا… دون أي شيء.
— وديع!
توقف الجمل للحظة…
ونظر لعمار مباشرة.
كانت بينهما لحظة صامتة…
كأنها آخر خيط بينهما.
اقترب عمار ببطء…
رفع يده…
وقال:
— أنا هنا… مش هسيبك.
تنفس الجمل بحدة…
ثم فجأة، هبط على ركبتيه ببطء…
وكأنه استسلم أخيرًا لمن يعرفه.
تعالت همسات الناس…
وبعضهم لم يصدق.
لكن عمار فهم شيئًا واحدًا:
وديع لم يكن غاضبًا… كان خائفًا.
وحين وجد من يفهمه… هدأ.
نهاية الجزء الرابع
لكن الهدوء لم يدم طويلاً…
فبينما كان الناس تبتعد، ظهر شخص عند طرف الساحة…
ملامحه غامضة…
وعيناه تلمعان في الظلام.
كان الرجل الغريب…
عاد أخيرًا.
وابتسم…
ابتسامة لا تحمل خيرًا.
وهنا تنتهي أحداث الجزء الرابع…
رواية الجمل والجمال – الجزء الأول

تفضلوا بزيارتنا بانتظام للاستمتاع بقراءة القصص الجديدة والمثيرة، ولا تترددوا في مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا.